اللهم إنا نبرأ إليك .. مما صنع هؤلاء ( فهل يبيح الولاء والبراء .. للمسلمين دماء آبائهم وإخوانهم المسلمين )

بقلم : مجاهد بن محمد الرفاعي

 

والله إنه لشئ مؤلم ومحزن ومستنكر ما قام به الشقيقين التوأمين من قتل والديهما جحودا وعقوقا .. بحيث لم يرحما كبر سنهما ولاشيبتهما … والعجيب أن يتذرعا هذان السفاحان لجريمتهما الشنعاء التي تجردا فيها من كل معاني الإنسانية … تأسيسًا على فقــه البراء والولاء في الإسلام …
ولست أدري أيفقه هؤلاء.. البراء ممن ؟ والولاء لمن ..؟

 
قال تعالى : ” وآذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم ” 3 / التوبة.

 
أجل كل مسلم يؤمن بهذه الآية العظيمة, ويعمل بمضمونها وحكمها ودلالاتها .. ولكن الإشكالية القائمة هو في الفهم الصحيح لدلالات هذه الآية .. وفي الترسيم الدقيق لحدود البراء من الآخر .. وفي التحديد الدقيق لموضوع ومادة البراء من الآخر.

 
يقول فضيلة البروفيسور حامد بن أحمد الرفاعي في كتابه ( شركاء لا أوصياء – الفصل السابع ) : أن دائرة العقيدة والاعتقاد هي المسؤولة بشكل أساس عن مسألة البراء والولاء .. باعتبار أن أهل كل ديانة لهم معتقدهم الخاص بهم والمعتقدات هي أساس الاختلاف والتناقض بين الأديان .. فكل أهل ديانة يرون أن ما هم عليه من الاعتقاد , هو الحق الذي يدينون به إلى ربهم وإلههم الذي يؤمنون به.

 

 

ويعتقدون بصفاته وأسمائه وأحواله .. وعلى هذا الاعتقاد تقوم في نفوسهم قاعدة البراء مما يعتقد به الآخر .. ممن ليسوا على ما هم عليه من الاعتقاد .. ومما يدين به الآخر من صفات الله وأسمائه وأحواله على خلاف ما يؤمنون ويعتقدون .. ونحن المسلمين شأننا في ذلك شأن كل أتباع الأديان .. فلنا اعتقادنا ولنا تصورنا الخاص بنا تجاه ربنا وإلهنا .. إما إن كان ذلك من حيث صفاته أو أسماؤه أو أحواله جلّ وعلا .. أومن حيث غيرها من قضايا الاعتقاد , وهذا الاعتقاد هو أساس البراء عندنا مما يعتقد به غيرنا مما يتناقض مع مقومات اعتقادنا .. وهــذه مسـألة جوهرية في دين الإسلام لا تحتمل المجاملة , ولا المساومة , ولا المداهنة , ولا تخضع لكل المغريات أو المكرهات : ( يا عم والله لو وضعوا الشمس في يمني والقمر في يسار على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه , ما تركته! ) سيرة ابن هشام.

 
قال تعالى : ( قل يا أيها الكافرون ” لا أعبد ما تعبدون ” ولا أنتم عابدون ما أعبد ” ولا أنا عابد ما عبدتم “ولا أنتم عابدون ما أعبد ” لكم دينكم ولي دين ) سورة الكافرون
أجل فالبراء في مسألة العقيدة والاعتقاد واضح وجلي وحازم عندنا مع من هم على خلاف اعتقادنا.. ولذا نحن المسـلمين نؤمن ونعتقد أن دائرة العقيدة مغلقة الصلة بيننا وبين الآخر ” لكم دينكم ولي دين ” وهذا شأن الآخر تجاهنا كذلك .. فهو كذلك لا يجامل ولا يساوم فيما يعتقد ويؤمن .. لأن مسألة الاعتقاد هي أساس الاختلاف والافتراق والتناقض بين أهل الأديان .. والمسلمون في ذلك على قلب رجل واحد ولله الحمد .. والبراء هنا هو براء من الاعتقاد الديني الذي يعتقده الآخر فحسب , وليس براء من إنسانيته ودوره في الحياة .. أو بعــــبارة أخــرى هو براء من الانتماء العقدي .. وليس براء من الانتماء البشري .. أو قل إن شئت براء ولاء وليس براء أداء وتعاون : ( فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون ) سورة الشعراء.

 
يقول فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن بية في كتابه الإرهاب : ” والحقيقة أن البراء مفهوم عقدي يتعلق بالولاء في العقيدة والدين والملة وهو الذي يكفر فاعله وينصر

 

خاذله ” و ويقول في موطن آخر من كتاب الإرهاب ” ويقول : “يكون البراء من الأعمال وليس من الأشخاص ” ويدلل على ذلك بقول الله تعالى : ” فإن عصوك فقل إني بريء مما تعلمون ” .. وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ” صحيح البخاري.
فالبراء إذًا براء وجداني عقدي مما يعتقد الآخر ويعمل , وليس براء من انتمائه البشـــري , أومن التعاون معه في أدائه الحضـــاري الحياتي , فنحن والآخــــر شركاء في الأداء الحضاري , وشركاء في النهوض بمهمة التكليف الرباني للناس جميعًا ” عمارة الأرض وإقامة الحياة ” , لذا فإننا نؤمن أن دائرة المشترك مع الآخر تأخذ بالانفتاح والانفراج بعد دائرة العقيدة والاعتقاد .. فهناك مساحة مشتركة وواسعة للتعايش والتعاون والتفاهم والتنافس في رحاب دائرة الشريعة .
قال تعالى : ” لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن لبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ” 48 / المائدة.

 
والإشكالية الكبرى التي وقعت بها القلة القليلة من المسلمين .. أنهم وسّعوا دائرة العقيدة , التي هــــي مناط مسألة الولاء والبراء على حساب دائرتي الشريعة والرسالة .. بحيث أصبحت نافــــذة العقيــدة وما يتبعها من أحكام , هي النافذة الوحيدة التي يطلون منها على الدنيا من حولهم .. وهي المعيار المطلق في التعامل مع الآخر .. ومن هنا نشأة مسألة التضخيم والغلو بمفاهيم الولاء والبراء .. وما تبعها عند أصحاب هذا الفهم من مبالغات وشطط .. أصبحت عندهم أساسًا عقديًا لما يصدر عنهم من أحكام وافتراءات .. ولما تقترف أيديهم من ممارسات حمقاء .. ولما وقعوا به من انحرافات وضلالات .. ولما يمارسونه من جرائم وانتهاكات ودمار بحق المسلمين وغيرهم .. وكل ذلك – للأسف – يمارس زورًا وبهتانًا باسم.. وباسم الجهاد في سبيل الله.

 
ومن أخطر فتن هذا الفهم السقيم لمسألة البراء والولاء .. أن هذا النفر من المسلمين ذهب مذهباً خطيراً بشأن فهم مسألة الولاء .. حيث اعتبروا أن كل علاقة تقوم بين المسلمين أفراداً وجماعات ودول مع غير المسلمين ممن – باعتقادهم – يصح بحقهم واجب البراء منهم إنما هي علاقة ولاء وخضوع لغير الله .. وبالتالي فحكمهم – عندهم – هو البراء منهم ومعاداتهم ومن يصح بحقهم من الأحكام ما يصح بحق الكافرين والظالمين والمحاربين لله ورسوله .. يجب معاداتهم ومفاصلتهم واستباحة دمائهم وأموالهم وقتالهم , باعتبار أن دارهـم – حسب فهمهم – أصبحت ” دار حرب ” بسبب موالاتهم لأعداء الله.

 
” يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ” 51 / المائدة
وتأسيساً على هذا الفهم الأحمق استباح هذا البعض من المسلمين دماء إخوانهم المسلمين .. وممتلكاتهم وأموالهم وغيرها … فحسبنا الله ونعم الوكيل .. فحسبنا الله ونعم الوكيل .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.