اللهجات السورية تأريخ لوجدان الانتفاضة السورية ولحظاتها

مشهد الرجل الحلبي الذي كان عساكر النظام يجرجرونه على الأرض بعد أبرحوه ضرباً، وأخذوا يسخرون منه ويطلبون منه تقديم زوجته إليهم مقابل إطلاق سراحه، فقال الرجل بصوت مكسور متألم: “أعوذ بالله هي مرتي روحي بنت عمي تاج راسي”.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

لم تحظ اللهجات السورية الشديدة التنوع بدراسة كافية، وفي معظم الأحيان انصب الاهتمام على دراسة اللغة العربية، والتوغل في الحديث عن عظمتها، وعن مواكبتها العصر، وسعتها وتفوقها، فنحن نعثر على آلاف الكتب في القواعد العربية، وفي الدخيل والأصيل في اللغة العربية، وتصويبات لغوية ويكاد معظم هذه الكتب يلوك بعضها بعضاً، لكننا نكاد لا نعثر إلا على القليل عن لغتنا اليومية.

زُرع في وعي السوريين أن اللغة العربية الفصحى لغة تتفوق على كافة لغات العالم في عظمتها، وزرع في أذهانهم أن اللغة المحكية هي مجرد لهجات غير ثابتة لا ترقى إلى مستوى الفصحى، وهنا لا أريد أن أنفي عن اللغة العربية جمالياتها، بقدر ما أشير إلى أثر هذه الازدواجية اللغوية السلبي Diglossia الكبير في وعي العالم والحياة، وأن معظم ما يتم تداوله بين الناس هي معلومات غير دقيقة.

إن اللغة حسب نظريات اللغة الحديثة شكل من أشكال الوعي وليست فقط وسيلة تواصل وتعبير عن الوعي، إنها نمط اغتراف العالم، وممارسة الحياة، وهي عند عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو جزء من رأس المال الرمزي، الضروري في بناء أي مجتمع وتقسيماته الطبقية والفئوية، بل وحتى تداول السلطة. ومن المدهش أن يُسخِّف شعب لغته اليومية التي يتحدث بها ويعبر بها عن مشاعره وكل شيء في حياته لصالح لغة يقرأ بها ويتابع بها نشرة الأخبار الرسمية!.

إن قداسة الفصحى جاءت لسببين أولهما ديني قرآني هيأ لتدوين التاريخ العربي ومجمل الإنتاج الثقافي بالفصحى، والثاني أيديولوجيا عروبية هيمنت على المجتمع السوري وصيغت المشاريع الثقافية حولها.

عدا عن أنّ اللغة الفصحى لغة كتابة ولغة أخبار رسمية، فهي تفتقر إلى حيوية العاميّة وعفويتها، ومرونتها، وتفاعلها العفوي مع الثقافات واللغات الأخرى، وقدرتها على التعبير عن حس الحياة اليومي، والوعي الجمعي.

لنتأمل مؤخراً مسار الانتفاضة السورية، للنظر في كمّ الكلمات الجديدة التي اشتقّت لتعبر عن الظواهر الاجتماعية الجديدة، في بداية المظاهرات تمّ إحياء مصطلح الشبّيحة وتوسيع استخدامه، فكان سابقاً يطلق على مجموعة من المهربين التابعين لعائلة الأسد في الساحل السوري، ومع انطلاق الانتفاضة بات المصطلح يشمل الزعران الذين كان النظام يستأجرهم كي يهاجموا المظاهرات، وتطور لاحقاً عن الاسم مصطلح يعبر عن الولاء الأعمى لفكرة ما أو لجهة ما، ومهاجمة كل من يخالفها، لا تشبّح عليّ، التشبيح.

ومع تطور مسار الانتفاضة السورية وتسلّحها، تم توليد مصطلحات وتعابير جديدة ، وإحياء بعضها وتوسيع استخدامه، فلدى انتشار ظاهرة الاختطاف وطلب الفدية من قبل الكثير من الفصائل ظهر مصطلح تشويل، المشتق من كلمة شوال.

مصطلح التعفيش: ويعني نهب البيوت من قبل المقاتلين سواء من النظام أو من المعارضة.

التكويع: وتعني الكلمة تغيير شخص ما لاتجاهه السياسي بشكل كامل بناء على المصالح. وكلمة كوع في العامية السورية كانت تستخدم سابقاً للدلالة على الطريق الذي يوجد فيه التفاف دائري.

الحجي : وسمي عدد من قادة الفصائل بالحجي للدلالة على المكانة والاحترام وأشهرهم عبد القادر الصالح المشهور بحجي مارع (اسم بلدته).

وفي السنة الماضية راج مصطلح في وصف السوريين المدافعين عن السياسات التركية في كل شيء، وهو مصطلح سوركي.

كما أن جملاً محددة مؤثرة علقت في أذهان السوريين، معظمها جاء في لحظة مؤثرة، وتم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات. أولها كان “أنا إنسان ماني حيوان، وهالناس كلها متلي”، والتعبير كان أول جملة توجز سبب توسع مسار المظاهرات، فثمة أسباب موضوعية هيأت للانتفاضة السورية لكن رد فعل الأمن الوحشي جعل المظاهرات تتوسع.

وهنالك عبارات شعبية تقليدية انطبعت في أذهان الناس لارتباطها بمشهد مؤثر، مثل تعبير بنت عمي الذي يقال في البيئات التقليدية تحبباً للزوجة. ارتبط هذا التعبير بمشهد الرجل الحلبي الذي كان عساكر النظام يجرجرونه على الأرض بعد أبرحوه ضرباً، وأخذوا يسخرون منه ويطلبون منه تقديم زوجته إليهم مقابل إطلاق سراحه، فقال الرجل بصوت مكسور متألم: “أعوذ بالله هي مرتي روحي بنت عمي تاج راسي”.

هناك أيضاً تعبير ساخر بعد انتشار ظاهرة المقاتلين المرتزقة الذين يكونون أشبه بالعصابات، فكان كلما ذكر اسم مقاتل يسيء استخدام سلاحه، يعلق عليه البعض: الله يطعمه الشهادة.

اللغة شكل من أشكال الوعي وليست فقط وسيلة تواصل وتعبير عن الوعي، إنها نمط اغتراف العالم، وممارسة الحياة، وهي عند عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو جزء من رأس المال الرمزي، الضروري في بناء أي مجتمع وتقسيماته الطبقية والفئوية، بل وحتى تداول السلطة.

أما الفصحى فأهمّ ما توصلت إليه هو تعبير المَقتلة، للتعبير عن كم القتل الكبير الذي مورس بحق السوريين، وهو تعبير يستخدمه قسم من الكتاب والمثقفين فقط ومقطوع الصلة بالوجدان الشعبي.

للهجات العامية قواعدها اللغوية، وأساليبها الاشتقاقيّة التي بالكاد دُرِست، فالنظرة العامة هي تقديس الفصحى، وترداد عبارات تناقلتها الألسن تفتقر لأبسط قواعد العلم، مثل اللهجات غير ثابتة والفصحى ثابتة (وهذا الثبات يمكن أن يكون مأخذاً على الفصحى )، أو أنه لا يوجد قواعد للاشتقاق في العامية، وكلها معلومات مغلوطة لا أساس لها.

إن قداسة الفصحى جاءت لسببين أولهما ديني قرآني هيأ لتدوين التاريخ العربي ومجمل الإنتاج الثقافي بالفصحى، والثاني أيديولوجيا عروبية هيمنت على المجتمع السوري وصيغت المشاريع الثقافية حولها، وفي المحصلة نحن نغترف حياتنا بلغة وندوّن ما نريد بلغة أخرى، لو أردنا أن نوثق وجدان ولحظات الانتفاضة السورية ونبض الشارع فسنجد الكثير الكثير، ولن نعثر في الفصحى على شيء.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.