اللجوء إلى المجتمع المدني

سلام الكواكبي
لم يكن ينقص مسألة اللجوء السوري من تحليلات و”فلسفات” إلا أن يعتبر أحد الإعلاميين “البارزين” أنها أوضحت “سقوط معظم دول أوروبا ووقوفها عارية أمام العالم، متجردة من إنسانيتها متمسكة بحقيقتها العنصرية الصليبية” (…). فإقحام المسألة الدينية في كل شاردة وواردة هو الأنسب بحمل كل السطحية والغوغائية والجهل. واستعمال التعابير الرنانة والرموز التاريخية تعلمناه في مدارس التلقين، فالأجدر بنا أن نجترّه في حيواتنا المهنية، علّه يجلب لنا بعضاً من الاعتراف والتمجيد. صدمت هذه العبارة كثيرين، ليس فقط لعنصرية صياغتها وحمولتها الزائدة من الكراهية والتحريض، ولكن، وخصوصاً، لتناقضها الوقح والصريح مع الوقائع.
لكن السفسطة الافتراضية، وما تحمله من معانٍ مؤسفة، كما الثناء الذي تحصل عليه من آلاف من المتابعين المأخوذين بمثل هذه الترّهات، لا يجب
ن تحجب ضرورة الملاحظة السوسيولوجية المبنية على تجارب تاريخية ووقائع اقتصادية وأبعاد سياسية.
السؤال الذي يكاد يتكرر يومياً وجدياً، بعيداً عن الإجابات المعلّبة أو التحليلات المتطرفة، يتعلق بمحاولة
شرح الفارق بين طرق وأساليب استقبال اللاجئين في بعض دول أوروبا الشرقية من جهة، والتعامل معهم في بعض دول أوروبا الغربية من جهة أخرى. وبمعزلٍ عن السياسات الوطنية، وعن نمو العنصرية في بعض البيئات الاجتماعية، واستغلال مسألة الهجرة في البرامج الانتخابية، وكلها عوامل يحتاج كلٌّ منها إلى دراسة وتمحيص، إلا أن المتابع لا بد وأن يقف سريعاً عند هذا التساؤل، ويحاول أن يجد عناصر الإجابة غير الكاملة.
فدول أوروبا الشرقية خضعت، عقوداً طويلة، إلى أنظمة استبدادية، تحت مسمياتٍ اجترّت مبادئ تقدمية نبيلة، وقدمتها مزيجاً كريهاً من حكم الحزب الواحد، وتأميم المجال العام ورأسمالية الدولة ومن يلوذ بها. كما أنها عاشت في حالات انغلاق إعلامي وثقافي شبه كامل، ما أدى بمجتمعاتها لتكوين خوف مبدئي مما هو أجنبي. أضف إلى ذلك أن حاكميها، وتحت مسميات التضامن مع الشعوب، تابعوا إفقارها وتخفيف الخدمات عنها، وتعزيز دوائر الفساد فيها. فارتبطت مسألة التضامن مع الآخر في الذاكرة الجمعية بالحرمان الذاتي.
وفي المجمل، كانت معرفة ساكني هذه البلدان بالأجنبي محدودة، فلا توجد هجرة قديمة، ولا تاريخ استعماري جلب معه ثقافات أو أيدٍ عاملة. الأجنبي كان هو ذاك الذي ترتبط بلدانه باتفاقيات “صداقة وتعاون” مع الحاكم المستبد، باسم المُثل والقيم التقدمية. وقد غادرت مجمل هذه الدول مرحلة الإفقار باسم الشيوعية لتدخل عالم الرأسمالية، بكل تطرّفه وتخلخله البنيوي. كما أن السيطرة التامة على المجال العام من أجهزة الدولة وأزلامها، حدّت بشكل كبير من دور المجتمع المدني خلال عقود.
ومثالاً مهماً على التكوين التراكمي للموقف الجمعي، يجدر النظر إلى ارتفاع حدة التوجهات العنصرية في الشطر الشرقي من ألمانيا والمنضم حديثاً نسبياً، بعد انهيار جدران برلين إلى الشقيق الأكبر، وهو الشطر الغربي. فالمستوى الاقتصادي، على الرغم من كل الضخ الذي جرى، وما زال يجري، يبقى أقل تطوراً من مثيله غرباً. كما أن الأجنبي غريبٌ في كل أبعاده، على العكس من الشطر الغربي الذي عرف الأجنبي مبكراً، وتفاعل معه سلباً أو إيجاباً طوال عقود.
على الرغم من كل ما سبق، التعميم من أسوأ طرائق البحث، فلقد وضح لبعضهم سوء معاملة قوات الشرطة الهنغارية لجموع اللاجئين، من دون الانتباه إلى أنها تأتمر بأوامر حكومة يمينية متطرفة، يكاد الاتحاد الأوروبي، ومنذ مدة، أن يوقع بحقها عقوبات زجرية. في المقابل، غاب عن كثيرين دور المجتمع المدني الذي قام بمحاولات عدّة، لتأمين المساعدة الغذائية واللوجستية النسبية.
هذا المجتمع المدني الجديد نسبياً في أوروبا الشرقية والوسطى، كما تبين لنا سابقاً، هو الدعامة الرئيسية التي تقوم عليها كل المبادرات الإنسانية في أوروبا الغربية. وبمعزلٍ عن الانتقادات التعميمية لثقافة العمل المدني والجمعيات غير الحكومية من بعض الأيديولوجيين، إلا أنها، ومن خلال مأساة اللجوء، أثبتت حضورها وتأثيرها الكبيرين على صانعي القرار. وقد اجتمعت إرادتها الصلبة مع اعتبارات سياسية واقتصادية وديموغرافية أخرى، لتحفيز الحكومات، بسياسييها وبمؤسساتها،
على اتخاذ خطوات مهمة وإيجابية للغاية، بحق اللاجئين، كما الحال في ألمانيا. حتى إنه يمكننا ملاحظة التمايز بين الوضعين الفرنسي والألماني، فالدولة اليعقوبية في فرنسا تسيطر على ملف اللجوء بالتعاون النسبي والمحدود مع مؤسسات المجتمع المدني. في المقابل، منحت الدولة الألمانية للمجتمع المدني مساحة عمل وتأثير أكبر. وتبدّى هذا الفارق بوضوح في الأداء وفي النتائج. مع الأخذ بالاعتبار العاملين الاقتصادي والديموغرافي دائماً، والبحبوحة النسبية في ألمانيا بالمقارنة مع دول أوروبا الأخرى.
درس جديد عن دور المجتمع المدني يجب أن يستفيد منه الجميع، وأن يبتعدوا عن الحسم في الأحكام القائمة على قناعات أيديولوجية صلبة غالباً ومتجمّدة أحياناً. وعلى الرغم من حصر هذا الدور نسبياً، وعدم التعويل عليه بأداء مهام سياسية تغيرية، لكنه عامل ضغط وتأثير مهم باتجاه التغيير السياسي. والتطرف العنصري ليس خصوصية غربية، وعندما نتابع مواقف بعض أبناء منطقتنا، نرى عنصرية تجبّ كل ما تفتقت عنه مدارس التطرف والإقصاء.
العربي الجديد
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.