اللا عنف أسلوب من أساليب العمل السياسي والاجتماعي.. مقاربة أولية في المفهوم

اللا عنف صورة لا تمت إلى القوة بصلة، فهو أسلوب من أساليب العمل السياسي والاجتماعي تستبعد القوة في الوصول إلى أهدافها، وتفتقد التعدي على حقوق الآخرين، وتقوم على أساس الاعتراف بالآخر.

الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

حين نرغب في تحديد مفهوم اللا عنف، لا بد من التعرّف على نقيضه أي العنف بكل ما يمكن أن يوصلنا إلى هذا الهدف. إذ عُرِّف العنف بأنه: (الغلظة والفظاظة في الأقوال أو الحركات). وعُرِّف أيضاً بأنه: (الانتهاك لممتلكات الآخرين والتعدي على أرزاقهم وحرياتهم). وهذان التعريفان يمثلان الوجه المعنوي والأخلاقي للعنف. أما الوجه السياسي للعنف فقد عُرِّف على أنه: (استخدام القوة بهدف الاستيلاء على السلطة أو الانعطاف بها نحو أهداف غير مشروعة).

مفهوم اللا عنف

أما اللا عنف فقد عُرِّف من قبل المهتمين بتعريفات عدة، إذ عُرِّف في الموسوعة السياسية بأنه: “سلوك سياسي لا يمكن فصله عن القدرة الداخلية والروحية على التحكم بالذات وعن المعرفة الصارمة والعميقة للنفس”. وهناك تعريف آخر هو: “شكل من التحرك السياسي يتميز بغياب كل تصرف عنيف”.

وعُرِّف أيضاً بأنه: “أسلوب من أساليب العمل السياسي والاجتماعي يحاول أن يجعل قوة الضعيف وملجأه الأخير مرتكزاً على إثارة الضمير والأخلاق لدى الخصم، أو على الأقل لدى الجمهور الذي يحيط به ويرمي إلى ترجيح كفة الحق والعدالة”.

من خلال ما تقدم من تعريفات نستنتج بان صورة اللا عنف قد اتضحت معالمها في كونها صورة لا تمت إلى القوة بصلة، ومن خلال هذه الصورة يمكن تقديم تعريف لمبدأ اللاعنف وهو: وسيلة من وسائل العمل السياسي والاجتماعي تستبعد القوة في الوصول إلى أهدافها وتفتقد التعدي على حقوق الآخرين وتقوم على أساس الاعتراف بالآخر.

اللاعنف، وسيلة من وسائل العمل السياسي والاجتماعي تستبعد القوة في الوصول إلى أهدافها وتفتقد التعدي على حقوق الآخرين وتقوم على أساس الاعتراف بالآخر.

صور اللا عنف وأشكاله

لقد أخطأ بعض الباحثين ممن خاضوا غمار البحث السياسي في حصرهم مبدأ اللاعنف في الميدان السياسي كما ورد في الموسوعة السياسية إذ عرفت اللاعنف بأنه: سلوك سياسي لا يمكن فصله عن القدرة الداخلية. كما عرفه سيمون بانتر كذلك بأنه: شكل من التحرك السياسي.

إن هذا الحصر لمبدأ اللاعنف في النطاق السياسي لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال، وذلك أن الإنسان الذي كرم بالعقل، والذي تميز به عن غيره من المخلوقات لزم من تكريمه هذا من قبل خالقه أن يكون العقل للاستعمال في كافة المجالات، والعلاقات التي يقيمها هذا الإنسان مع غيره.

ومنطق العقل ومنهجه يختلف عن منطق التهور الذي يعتمد العنف والقوة في تعاطيها مع غيرها فمنطق العقل هو إمكانية انتهاج أساليب الحوار والتفاهم في العلاقات التي تربط الإنسان مع شركائه على الأرض.

المهاتما غاندي(فيسبوك)

اللا عنف المطلق

تطرق البعض في طرح فكرة اللا عنف بإطارها الصحيح المقبول عالمياً فلم يتنبه للشعرة الفاصلة بين اللاعنف وغيره من المفاهيم التي لا تمت إليه – في واقعها – بصلة تذكر من قبيل مفهومي الخنوع والاستسلام السابقي الذكر.

فاللاعنف المطلق طرح يشوه الصورة الحقيقية الناصعة التي يكون عليها مفهوم اللاعنف وإن كان هناك وجود لطرح اللاعنف المطلق فإنما هو موجود في فكر هؤلاء الذين يطرحونه مما يحسبونه على اللاعنف في حين أن اللاعنف بعيد عنه.

لقد تحدث رائد اللاعنف غاندي عن هذه النقطة بما تمكن من خلاله التمييز بوضوح بين اللاعنف واللاعنف المطلق الذي لا وجود له إطلاقاً، وإنما هو اسم لمعنى آخر أقحم هذا الاصطلاح للدلالة عليه.

يقول غاندي في تعليقه على مجموعة من أبناء شعبه حين تركوا منازلهم وهربوا من الشرطة التي شنت هجوماً على قريتهم، والتي نهبت أموالهم ونساءهم، إذ إنهم برروا هربهم بامتثالهم لأوامره وتعليماته باللاعنف علق على كل ذلك في قوله: “أردت أن أراهم يقفون كالترس بين الأعظم قوة وبين الأكثر ضعفاً… والحق أنه دليل بعضٍ من شجاعة أن يدافع الناس عن مقتنياتهم بحد السيف، ويصونوا كرامتهم ودينهم”.

ويقول كذلك: “إني أفضل ألف مرة أن أخاطر فألجأ إلى العنف على أن أرى عرقاً بأسره يتعرض للإبادة”.

بل تراه يصرح بأوضح من هذا كله باستبعاده لوجود فكرة اللاعنف المطلق قائلاً: “بما أننا لسنا أرواحاً طاهرة، فإن اللاعنف الكامل نظري تماماً كخط إقليدس المستقيم”.
إذن ففكرة اللاعنف المطلق لاوجود لها، وإنما طرحت جهلاً، أو قصداً من قبل خصوم اللاعنف.

اللا عنف المطلق طرح يشوه الصورة الحقيقية الناصعة التي يكون عليها مفهوم اللاعنف، ففكرة اللاعنف المطلق لاوجود لها، وإنما طرحت جهلاً، أو قصداً من قبل خصوم اللاعنف.

الفرق بين اللاعنف والخنوع والاستسلام

هناك من يعد اللجوء إلى اللاعنف نوع من الضعف، وقلة العزم، والعجز عن المواجهة وانه نوع من الاستسلام والخنوع، وبما ان هذه المصطلحات تتميز بمعنى اخر عن اللاعنف، فالاستسلام يعني الانقياد، ومعلوم أن الانقياد يعني الخضوع من قبل طرف لطرف آخر دون أن يكون لهذا الطرف الخاضع لأي مبادرة، أو شرط. أما الخنوع فيعني: الخضوع والذل، خنع له وإليه يخنع خنوعاً: ضرع إليه وطلب إليه وليس بأهل أن يطلب إليه.
وليس هذا المعنى بأفضل حالاً من معنى الاستسلام.

وأما الاستسلام على الصعيد السياسي فيعني: التسوية التي تقضي بالتنازل المهين أمام العدو كما لو كان انتصار العدو كاملاً بحيث أفقد الطرف المنهزم إرادة القتال أو الحق في التمسك بمطالبه الحقوقية.

فأين هذا من اللا عنف الذي سبق وأن عرفناه بأنه وسيلة من وسائل العمل السياسي الجاد يضع أصحابه نصب أعينهم هدفاً يرومون الوصول إليه في عملهم اللا عنفي وقد يصل بهم الأمر إلى التضحية النفيسة في بلوغ هذا الهدف. بل انه فعل إيجابي يتطلب الشجاعة المعنوية واستبسال الشهداء. إن السلبية التي تتضمنها كلمة لا عنف، ما هي إلا شرك لغوي: فأعمال المناضلين السلميين كلها إيجابية، فالذين يقدمون حياتهم على مذبح العدالة إنما يقدمون دروساً تربوية وقوة أدبية لخلاص البشر من الشر.

مصدر زهير الخويلدي، الفرق بين اللاَّعنف والفعل الخالي من العنف جان ماري مولِّر، اللاَّعنف: المبادئ الفلسفيَّة زينب ليث، مفهوم اللاعنف في المجتمعات
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.