الكوميديا الجهادية

 

الكاتبة : إيمان القويفلي

في استوديو مظلم، جلس المحاور الذي ينتمي إلى الحقل الديني، والسجين السابق، عائض القرني، ليُحاور ثلاثة من مُنظري الجهاد المعتقلين، علي الخضير، ناصر الفهد، أحمد الخالدي، بعد ستة أشهر من تفجيرات الرياض في مايو/أيار 2003. كانت هذه إحدى اللحظات المبكرة لظهور الجهاديين في الإعلام السعودي، ربما لم تسبقها قط لحظة مشابهة، إلا لحظة بث اعترافات منفذي تفجير العليا في الرياض عام 1995؛ وكانت مُنتجاً تراجيدياً بامتياز، تجلّى في مشهد الـمُنظّر الجهادي والسجين الحالي، وهو يجلس مع المحاور الشهير والسجين السابق في بقعة مضيئة، وسط ظلام دامس، كأنهما “صاحبا السجن”، في خلوة يتسارّان بالحقيقة، وفي التقدير المتبادل بينهما، وفي لغة المحاور الواعظة، وفي لغة الـمُنظر النادمة، وفي الموقف المتراجع والانقلاب على الذات. كانت هذه إحدى اللحظات المؤسِّسَة لنموذج “تلفزة الإرهاب” الذي تحوّل إلى فقرة كلاسيكية، من فقرات ما يعتبره الإعلاميون “دور الإعلام في مواجهة الإرهاب”، تتمثل في ظهور الإرهابي مُتحدّثاً، حيث يتحوّل الإرهاب، من خلاله، من حدث مُطلق إلى شخص حبيس، ومن موضوع للتأويل إلى مجموعة تقنيات. لم يتأسس بروتوكول “الإرهاب المتلفز” في الإعلام على أساس مقاربة مفتوحة للإرهاب من أوجه مختلفة ومناظير متباينة، وعلى الرغم من ظاهرهِ البادي، فإن الموضوع الحقيقي لـ”تلفزة الإرهاب” ليس الإرهاب، بل سيطرة الإعلام على الإرهاب موضوعاً، أن يُعلن الإعلام عن قدرته على إخضاع الإرهاب لسرديته، وعلى تشكيل القصة ومَنتَجتها ووضعها في كادر وإخراجها، هذا هو الجوهر الحقيقي لكل تلك الحوارات منذ عام 2003، لكن هذه الخاصّية التي تعكس السُلطة الهائلة للإعلام هي، تحديداً، ما قاد مسار “تلفزة الإرهاب”، عبر هذه السنوات، من لحظته التراجيدية إلى لحظته الكوميدية.
تشكّلت “تلفزة الإرهاب” على هذا الأساس، منذ حوارات القرني مع الثلاثي الجهادي، وتجلّت سيطرة الإعلام على الإرهاب موضوعاً في هذه الحوارات، من خلال إغفال نقد البنية الشرعية للخطاب الجهادي الذي كان الثلاثي يُنتجه، خاض كلٌ منهم، على حدة، في البنية الشرعية التي تحرّم التفجير والتكفير، لكن أياً منهم لم يُجسّر المسافة التي قطعها بين خطابه السابق وخطابه في هذه الحوارات التي صممها الإعلام، لتكون تراجعات من دون أن تكون مراجعات. كانت هذه هي الـمَنتَجة المناسبة لموضوع الإرهاب في نظر الإعلام ذاك الوقت. في الأعوام التالية، تحرّكت “تلفزة الإرهاب” بعيداً عن لحظتها التراجيدية تلك، لكنها ظلت كما هيَ، من حيث الجوهر: السيطرة على الإرهاب موضوعاً، الأمر الذي يقتضي، بشكل ما، أن تكون سردية الإعلامي لقصة الإرهاب أهمّ من سردية الإرهابي، أن تتحول قصة الإرهاب إلى وعاءٍ قابل لملئه بما في مُخيلة الإعلام عن الإرهاب، أو على وجه الدقة، ما في مُخيّلة “الإعلامي” عن الإرهاب، لأنّ لكلّ إعلامي مخياله المتشكّل بواسطة مصادره الثقافية الخاصة. بهذا المعنى، تواصلت عملية “تلفزة الإرهاب”، حتى توصلت، في الأعوام الأخيرة، إلى تقديم الجهادية بوصفها كوميديا، عوضاً عن تقديمها تراجيديا، كوميديا مقصودة أحياناً، وغير مقصودة غالباً، لكنها تظل هزلية في العُمق.
أبرز نماذج الكوميديا الجهادية تمثلت في سلسلة حلقات برنامج “الثامنة” التي حاور فيها داود

الشريان سجناء من الجهاديين، مُنتجاً حلقاتٍ هي أقرب إلى النمط التهريجي المعتاد في البرنامج، منها إلى موضوع الإرهاب، تقمّص فيها المحاور شخصية الرجل العامّي البسيط الذي يثير الجهادي فضوله، موضوعاً غرائبياً وشاذاً عن المألوف. في إحدى الحلقات، يحاول السجين أن يسترسل، ليشرح كيف تأثر توجهه نحو الجهاد بالمعارض التي كانت تُقام في التسعينيات في السعودية، عن مذابح البوسنة والهرسك. يقاطعه المحاور في هذه اللحظة ليسأله: ما قصتك مع الاستحمام؟ لماذا كنت ترفض الاستحمام إلا بطريقة غريبة؟ وفي حوار آخر، يسأل المحاور سجيناً آخر عن تاريخه القديم مع تعاطي الحشيش، ثم يقول له إن أفكاره التكفيرية تنبع من لوثة الحشيش الذي عبث بخلايا مُخه. وفي حوار ثالث، يُشير السجين إلى الجهاد في فلسطين، فيُجيب المحاور بإصرار أن السجين سيُقلع عن آرائه التكفيرية، لو أنه خرج في صحبة المحاور إلى نزهة برية وخضع للرُّقية والكيّ أسفل الرقبة (من طرق العلاج الشعبي المعروفة).
يبدو الإرهاب، في هذه النسخة الحديثة جداً من “تلفزة الإرهاب”، شطحة فردية، ظاهرة بلا محتوى فكري، بلا سياق اجتماعي، بلا معضلة أخلاقية، أو حمولة عاطفية، يبدو مثل تشوّه خَلقي غريب، لا تفسير له إلا الصدفة الجينية، وبازار غرائبي للطفرات والتشوهات، يدخله الرجل العاميّ البسيط الذي يمثله المحاور، و يدخله معه من الباب نفسه المشاهدون، بغرض “الفُرجة”، بما تعنيه من التسلّي بالدهشة، والهزل، والتقزز. وبعد انتهاء الفُرجة، يغادر الجميع من باب الخروج، وهم يرغبون في التفكير أكثر في شعورهم بالكمال والعافية والتفوق، إذ إن “تلفزة الإرهاب” لم تدفعهم إلى التفكير في “الإرهاب”. لا تبتعد النسخة الصحافية الورقية كثيراً، بل تمتاز بإمكاناتٍ أكبر لخلط صوت الإرهابي بصوت الإعلامي، وسردية هذا بذاك، فيصبح التمييز بينهما صعباً، لكن اللمسة الكوميدية تحضر في الحوار عبر هذا الاختلاط بالذات.
في الحوار الذي نشرته صحيفة الرياض، أخيراً، مع أشهر سجينة بتهمة الإرهاب، تطرح المحاورة سؤال المرحلة: كيف يتم تجنيد الشباب؟ فتُجيب السجينة أن الشباب يقعون في فخّ الإغراء بالحور العين وظهور المهدي المنتظر. تبزغ الطرافة، هنا، عندما يلحظ القارئ أن جواب سجينة الإرهاب لا يختلف عن الذي يقدّمه المثقف العلماني التقليدي في السعودية على السؤال نفسه. كيف لا تقدّم هذه المرأة التي جنّدت العناصر، وموّلت التنظيم جواباً أكثر تحديداً وتعقيداً وتأصلاً في الخطاب الجهادي؟
يقدّم الإعلام، اليوم، الكوميديا الجهادية في لحظته نفسها التي يؤكد فيها على تراجيدية الإرهاب وخطورته والتحدّي الجاد الذي يمثله، فيضطرب داخلياً هذا الخطاب الإعلامي الموجّه إلى المجتمع ويتناقض، وهي النتيجة الطبيعية لإعلامٍ ينشغل بإخضاع الموضوع أكثر من انشغاله بالموضوع نفسه. هذا بينما تزداد الظاهرة الإرهابية، في الأعوام الأخيرة، توحّشاً وإغراباً عبر نموذج داعش، في اللحظة نفسها، التي تبلغ فيها “تلفزة الإرهاب” ذروة الغرائبية والكوميديا، وكأنما الوحشية والكوميدية تمظهران مختلفان للخفّة في موضوع الإرهاب، الخفّة التي تجعل الإرهاب يتحرر أكثر وأكثر من أثقاله الشرعية ونسخه التقليدية القديمة، ويذهب بعيداً في البطش والتوحّش، والخفّة التي تجعل الإعلام، أمام استنفاد سردياته القديمة للإرهاب، يلجأ إلى ملء الفراغ السرديّ بالقريب المبتذل.

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.