الكنّاس… – عقاب يحيى

أجبرته الظروف أن يعمل كناساً.. ولم يكن يخجل من ذلك، خصوصاً بعدما اعتنق أفكاراً يسارية.. تمجّد البروليتاريا، وترفع عناوينهم مجداً في جميع الكليشيات.. فصدّق أنه منهم، وأنه مهم، وأنهم يقوم بعمل قذر.. لكنه تنظيفي لنفايات البشر ..
بين تنظيراته، أو كليشاته المرفوعة عن تقديس الشغل والشغيلة، واعتباره من أنظفهم.. ومن المنتمين بقوة وفخر إليهم… وبينمفاعلاته الداخلية فجوة كبيرة كانت تتسع حتى الخنادق الشرهة.. خاصة مع التطورات.. أو لنقل مع وعيه المكتسب عن الحكايا ودجل التنظير، وعن نظرات الاحتقار له، ومعاملته كزبال لا راح ولا جاء.. ويكون ذلك فاقعاً بحضور” بعض الرفيقات”.. بل في تعامل النساء عموماً معه، وحركات القرف.. والابتعاد عنه خوفهم من انتشار البقايا فيه روائحاً تجعل بعضهن، وبعضهم يضع محرمة على أنفه.. أو يعبّر عن ذلك بجلاء .. تجعل صاحبنا بموقع حرج لا يملك سوى عرق النزق، والخجل.. والتآكل الداخلي..
بين التمظهر وصراع الذات بالذات.. نمت دمامل التناقض، والعقد.. تنهب ليله، وتكوبس على أحلامه التي كانت كبيرة ـ أممية ـ ثم صغرت، وتقزّمت حتى ” القبول بامرأة ترضى الزواج منه”.. في حين ان ذلك الانتشاء عن تقاطر الفتيات، خاصة الرفيقات على شغيلة الحزب الحقيقيين… وهو في مقدمهم، قد تصيّر غمّاً، وكمداً، وحقداً على الآخرين.. ذلك الحقد الذطي لا يتجرّأ على إظهاره خشية ان يفقد كل شيء.. فراح ينزّ على طريقة القيح..والغرق في المشروب .. والشتائم.. والانتقام من الجميع.. وأولها إعدام الأفكار التي جرجرته إلى تلك الهاوية..
ـ لكنه ظل يقاتل انفصامه.. المتسربل بعشق فاخر للشعارات.. زاده الباقي، وعزوته.. وشخصه، بل شخوصه الأخرى التي تريد التمرد.. والثورة، والانقلاب على الذي كان..
تدهورت الأفكار وسقطت.. وتغيّر العالم.. فوجد نفسه وحيداً إلا من بقايا أحلام متناثرة .. يبيع الحكايا والذكريات.. والأحلام الواهمة.. ويغرق في كؤوس عرق بلدي تنسيه الحليب الذي رضع.. لتعيد إليه بعض بهاء بروليتاريته.. كما اعتقد سنوات..
نام في توابيت التحنيط طويلاً.. وحين قامت الثورة المفاجأة.. خرج مشدوها.. والتحق بها.. ولأنه يريد ان تكون له ” بصمة” قوية فيها.. لم يجد من سرح يملك، وذكريات استناد سوى ايام زمان وشعارات الفقراء.. والشغيلة.. وهو منهم.. فعادت روح المكنسة إليه.. وهو يظن الآن أنه يقوم بعمليات تنظيف هائلة.. حتى لو اقتصرت على غسل ثيابه القديمة.. ونشرها في رياح الثورة، وقطف بعض الثمار الصغيرة، المتناثرة.. فيها وعلى حسابها..
عقاب يحيى

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.