الكراكوز الأخير… حين يغيّبه الطغاة

(مسرح خيال الظلّ في سورية)

آلاء عثمان

مسرح خيال الظلّ، مسرح ظلّي ضارب في أعماق التاريخ. يمثَّل بأشكال منعكسة على ستارة بيضاء مشدودة أمام ضوء مثبّت خلف هذه الستارة. ومعظم الشخوص البشريّة أو الحيوانيّة هنا مصنوعة من جلد الحيوان وخاصّة الجمل، حيث تنعكس على الستارة تلك الأشكال البديعة بألوانها الساحرة.
تتراوح أطوالها بين ثلاثين وخمسين سنتيمتراً، ويتمّ تحريكها بعصا وراء ستار من القماش الأبيض المسلّط عليه الضوء، ممّا يجعل ظلّها هو الذي يبرز للمشاهدين. وكان محرّك الدمى، وهو فنّان محترف، يعرف باسم “مخايلي” أو “محرّك الشخوص” هو الذي يحرّك هذه الشخوص ويجعلها تتحادث وتتصارع وتقوم بحركة متمايلة وملتوية معكوسة مفصليّة، إذ أنّ هذه الحركات توقظ في نفس المشاهد أحاسيس ورغبات دقيقة وخيالات جذابة.

تاريخ مسرح خيال الظلّ
هناك وجهتا نظر حول منشأ خيال الظلّ؛ الأولى: أنّ هذا الفنّ ظهر في آسيا وانتقل منها إلى الغرب. وأصحاب وجهة النظر هذه لديهم ثلاثة آراء، الأوّل: أنّ هذا الفنّ ظهر في جاوه بأندونسيا، وأنّ خيال الظلّ الجاويّ ومصطلحاته موجودة في اللغة الجاويّة القديمة.
والرأي الثاني: يُحدد مكان ظهور خيال الظل “قَرَه كُوزْ” في الهند بدلاً من “جاوه”، وأنّ اسمه في اللغة السنسكريتيّة “جاينا طاقه” ومدلولها هو نفس مدلول خيال الظلّ، وهناك رأي ثالث يقول: إنّ خيال الظلّ يرجع إلى الصين. ويستند هذا الرأي إلى أسطورة صينيّة تعود إلى سنة (121 ق.م)، وتحكي أنّ الإمبراطور “ويو” قد سيطر عليه حزن عميق إثر وفاة زوجته التي كان يحبّها حبّاً ملك عليه كلّ جنانه، ولم تفلح كلّ المساعي التي بُذلت لتسليته والترفيه عنه. وقد حاول فنّان صينيّ أن يرفّه عن الإمبراطور باختياره لسيّدة شديدة الشبه بالإمبراطورة المتوفّاة، وجعلها تمرّ أمام ستارة بيضاء على بُعد مناسب من الإمبراطور، وادّعى له أنّ هذا هو طيف الإمبراطورة الحبيبة. وقد نجح بذلك في الترفيه عن الإمبراطور بهذا الشكل.
أمّا وجهة النظر الأخرى فتقول: إنّ هذا الفنّ قد ظهر أوّلاً في الغرب وانتشر منه إلى الشرق، وتزَعّم الباحثون الألمان هذا الرأي. ولكنّنا نرى أنّ هذا الرأي قد خلط بين خيال الظلّ وبين فنّ العرائس الذي ظهر عند اليونان، وتكلّم عنه أفلاطون وأرسطو ومعظم فلاسفة اليونان.
وذلك لأنّ كلّ النماذج التي يضربها أصحاب هذا الرأي تنتمي إلى مسرح العرائس المحرّك بالخيوط، وليس إلى مسرح خيال الظلّ المعكوس على الستارة البيضاء. لذا فإنّ الرأي القائل بأسبقيّة آسيا والشرق لهذا الفنّ يكون أكثر مصداقيّة وإقناعاً.

عرف العرب خيال الظلّ للمرّة الأولى في العصر العباسيّ، وكان مجيئه إلى مصر في عصر الفاطميّين في القرن الخامس الهجريّ الحادي عشر الميلاديّ.

طوال العصر الأيوبي والمملوكيّ، كانت تمثيليّات خيال الظلّ التي كانت تعرف في العصر المملوكي باسم “بابات”، ومفردها “بابة”، من أهمّ وسائل الترفيه وكانت تقبل الناس على مشاهدتها، وكانت تعرض في مسارح مخصّصة وفي المقاهي والأماكن العامة، بل وحتى في حفلات الزواج والختان، وغيرها من المناسبات.
وكان يقبل على مشاهدتها الناس من جميع طبقات المجتمع. كانت المشاهد تناقش مواضيعاً سياسيّة واجتماعيّة وتاريخيّة بطريقة فكاهيّة ساخرة.

مسرح الدمى في سورية
أقدم الإشارات إلى وجود فنّ الدمى في سورية (على شكل مسرح الظلّ) وردت في مخطوطة (مؤرّخة سنة 1308م.) لشمس الدين محمّد بن إبراهيم الدمشقيّ، وكذلك كتب الشاعر أبو العلاء المعري (973–1057م.) شعراً بخيال الظلّ من دون ذكر تفاصيل أو وقائع. لذلك، يعتقد أنّ هذا الفنّ كان معروفاً منذ القدم أي منذ العصر الذهبيّ لسورية كمركز للثقافة العربيّة والإسلاميّة في القرنين السابع والثامن الميلاديّين.
في عام 1516 احتلّ السلطان العثمانيّ سليم الأوّل بلاد الشام، واستمرّ الاحتلال العثمانيّ أربعة قرون تميّزت بالتراجع الفكريّ والحضاريّ والعلميّ بالتزامن مع ازدهار ونهضة للفنون الشعبيّة وأشكال التعبير الفولكلوريّة وفنون العرض، وأبرزها خيال الظلّ الذي برز فيه بشكل واضح التأثير التركيّ العثمانيّ، وخاصة من خلال شخصيّة كراكوز الناطق باللهجة السوريّة للغة العربيّة.
لكنّ كراكوز هنا تحوّل من شخصية الرجل التركيّ إلى شخصيّة عربيّة سوريّة بامتياز. فقد كان خيال الظلّ الكراكوزيّ مسرحاً انتقاديّاً اجتماعيّاً سياسيّاً معاصراً بكلّ معنى الكلمة، وكان له تأثير كبير في نفوس العامّة. فقد كان يستمدّ موضوعاته من الأوضاع المحلّيّة وكان مواكباً للأحداث اليوميّة المعاشة، ممّا جعله متنفّساً للتعبير عن كره الناس للظلم ومعارضة النظام القائم.
من أقدم الإشارات إلى شخصيّة كراكوز السوريّ الناطق بالعربيّة وصْف الكسندر راسّل Alexander Russel مشاهدته لعرض خيال ظلّ في حلب في كتابه The Nature History of Aleppo الصادر للمرّة الأولى سنة 1756: “يتكّون عرض الدمى من ظلال على غرار الظلال الصينيّة، يقود العملية كلّها بمهارة فائقة شخص واحد، مغيّراً صوته ومقلّداً اللهجات الريفيّة أو الصفات الأخرى لأشخاص المسرحيّة”.
لاقى مسرح الظلّ ازدهاراً وانتشاراً لا مثيل له في القرن التاسع عشر. ومن الملفت أنّه في شهر رمضان (شهر الصوم عند المسلمين) كانت تقام مباريات في المدن السوريّة الكبرى يشارك فيها مخايلون من بيروت وطرابلس وحلب ودمشق وطرطوس، وهذا يعني أنّ سورية عرفت منذ ذلك الوقت ما نعرفه اليوم “بمهرجان الدمى”. ويكاد لا يقام عرس أو حفل ختان، أو غيرهما من المناسبات العامّة والخاصّة، من دون العروض الظلّيّة المحبّبة.
ومن أشهر رواد فنّ خيال الظلّ في سورية، آل حبيب الذين اشتهروا على مدى قرن ونصف القرن، ابتداءً من أوائل القرن التاسع عشر. وعُرف في حلب الحاج مصطفى سرور ومحمّد مرعي الدبّاغ ومحمّد الشيخ. وفي حمص: أبو الخير السباعي. وفي اللاذقية: الحاج حسن اللاذقاني. وسليمان أبو عبد اللطيف المعماري الذي كان من أشهر مخايلي الساحل السوريّ في النصف الأوّل من القرن العشرين.
يُذكَر أنّ آخر مخايل في سورية كان “عبد الرزاق الذهبي” الذي تعلّم مهنة المخايلة من “صالح حبيب”، ويُنسَب للذهبي فصل ظلّي بعنوان “حمارة جورة”، والذي نـُشِر في مجلّة “الحياة المسرحية” في دمشق عام 1982. توفّي عام 1992.

الفنان زكي كورديللو المصدر فيسبوك

زكي كورديللو ومسرح خيال الظلّ
تعلّم الفنّان زكي كورديلو حرفة مسرح الظلّ على يد “عبد الرزاق الذهبي” آخر الفنّانين التقليديين، والذي أعطاه مجموعة كبيرة للدمى يتجاوز عمرها 150عاماً. قدّم كورديللو أعمالاً كثيرة من خيال الظلّ ضمن إطار “مسرح الدمى” في دمشق.
وزكي كورديلو خريج المعهد العالي للفنون المسرحيّة عام 1984، عمل في المسرح القوميّ لمدّة أربعة سنوات وقدّم 20 عملاً في المسرح، أخذ على عاتقه مهمّة الحفاظ على مسرح “خيال الظلّ” في “سورية” بعد وفاة آخر المخايلة.
وفي حوار سابق للفنّان قبل اعتقاله من قبل قوّات الأمن السورية، يقول: “حدث الأمر في البداية بمحض الصدفة عندما تعرّفت على “عبد الرزاق الذهبي” في مديريّة المسارح وعرض عليّ العمل معه في مسرح خيال الظلّ ووافقت دون تردّد، ولكن بعد فترة قصيرة توفّي “عبد الرزاق الذهبي” ولم يكتمل مشروعه، فشعرت أنّ عليّ متابعة هذا المشروع بدافع الأمانة والحفاظ على هذا الميراث، وكان من المهمّ أن يستمرّ مسرح خيال الظلّ في الوجود، فهذا الفنّ قريب جدّاً من الشعب السوريّ وموجود في وجدان الناس وفكرهم وخيالهم ويعتبر من الفنون الجميلة الموجودة في تراثنا العربيّ، إضافة أنّه موروث شعبيّ عالميّ يجب المحافظة عليه وتطويره، ويمكن اعتباره الأب الشرعيّ للمسرح العربيّ في الوطن العربي على وجه الخصوص، والسينما العالميّة بالعموم”.

وقدّم كورديللو ثلاثة أعمال مسرحيّة في خيال الظلّ وهي “ظلّ ونور” و”القبطان كركوز” و”المعرّي” الذي قُدّم ليوم واحد فقط ثمّ أوقف لأسباب أمنيّة

كما قدّم في مسرح الطفل مسرحيّات “الفتاة النشطة” و”مملكة النمل” و”أحلام مائيّة”، اعتمدت فيهم الدمج بين خيال الظلّ وفنّ الأداء المباشر على خشبة المسرح.

مصدر نشر بالتنسيق مع صحيفة "كلنا سوريون"
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.