“القلعة”: دراما أنقذت بيئة الفرات السورية من داعش

منار ديب
مسلسل “وجوه وأماكن” الذي أخرجه هيثم حقي هو أولى المحاولات لإنتاج دراما سورية مستقلة، تقدّم رؤيا مختلفة عن السائد للحدث السوري الجسيم، مع الأخذ بعين الاعتبار انتشار الدراما التلفزيونية وتأثيرها، مع توافر شروط العرض المناسبة. وهو عرض على قناة “العربي” حصرياً في رمضان الماضي.

قلّما تناولت الدراما السورية بيئة الفرات المهملة سياسياً وتنموياً. وإن فعلت فبشكل محدود، إذ غلبت النمطية على هذه الإنتاجات، كأنّها لم تشهد تغييرات، وبقيت تعيش نمط حياة عشائرياً فلاحياً تقليدياً، ولم تخرّج نخباً واسعة لعبت أدواراً على مستوى سورية.

اليوم، إذ تربط هذه المنطقة الواسعة، الغنية اقتصادياً وبشرياً، بفعل الضخّ الإعلامي ذي الاتجاه الواحد، بتنظيم”داعش” وأعماله المروعة، تغيب صورة أخرى لبشر حقيقيين لهم قصصهم وحكايات عشقهم وعلاقاتهم الإنسانية وأفكار حرّة وإبداعات. والدراما التي تحمل هاجساً تنويرياً قد تكون المدخل المناسب لنظرة جديدة وواقعية.

تدور أحداث “القلعة”، الذي كتب السيناريو له الروائي خالد خليفة، قبيل اندلاع الثورة السورية العام 2011، ويحضر الشأن العام فيه كخلفية بعلاقات الوجاهات المحلية الفاسدة ورجال الدين التقليديين والسلطات الحكومية بوجهها الأمني الوحيد.

في المقابل يمكن الحديث عن قوى مدنية وتحررية يعبّر عنها المثقفون والمرأة والنظام، وإن تشدّق بتوجّهه العلماني، فهو كان يعمل للحفاظ على الأوضاع القائمة ويشبك مصالح مع القوى المحافظة، لاعباً على وتر الخصوصية الاجتماعية للمنطقة.

علي(مكسيم خليل) نحات عائد من العاصمة، يعيش قصّة حب مع قمر (نجلاء الخمري) طبيبة الأسنان وابنة أحد الشيوخ، تصطدم بفقره وطبيعة مهنته. ورغم أنّ والد قمر (مازن الناطور) يمنحها قدراً من الحرية والثقة، إلا أنه لا يمكن أن يخرج عن نظرته التقليدية.

يما يلعب صديق علي المحامي الفاسد سالم (أسامة حلال) دوراً سلبياً وتحريضياً خفياً عبر تأليب المجتمع المحلي والعائلة ضد علي بدواعي تتعلق بالحلال والحرام. ليصبح علي متهماً اجتماعياً بل وأمنياً بسبب أفكاره الجريئة، هو مدرّس الفنون.

إذا كان علي وقمر يمثلان شباباً متعلماً ومثقفاً يمكن له أن يؤثر ايجاباً في بيئة محافظة، فإن في مواجهتهما قوى تقليدية عشائرية ودينية وأمنية وفي طليعتها قوى الفساد. مواجهة اتخذت أحياناً طابع الخطاب المباشر، وإن عدّ ذلك جرأة في عمل درامي عربي، إلا أنه لم يخلُ من فجاجة على المستوى الفني، كما في مشهد لمحاضرة في المركز الثقافي عن مدنية الدولة.

يخلص العمل إلى أنّ قوى الفساد يمكن أن ترتدي لبوس الدين، متمثّلة بالمحامي الذي يتزوج قمر خائناً صديق عمره. وعلي بعدها ينجح فنياً خارج سورية. وقوى الفساد تحمل بندقية التطرّف الأعمى في لحظة بدافع الانتقام أو ركوب الموجة، فتستكمل تخريب المجتمع بعدميتها أو بأنانيتها.

هكذا استحضر المسلسل بيئة الفرات، رغم تصويره في بيئة أخرى (غازي عينتاب التركية)، وأنقذته حيوية السيناريو في بعض المواضع والمواقف.

العربي الجديد
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.