القاعدة وأمريكا و”الاستعصاء سيئ السمعة”

في الحالة السورية غضت أمريكا الطرف عن “القاعدة”، ودعمتها في قتالها لـ”داعش”، كثعبان يلقف ثعباناً أشد منه خطورة، كما أنها من خلال لعبة القط والفأر بينها وبين “القاعدة” باتت على معرفة بالآليات القتالية والدوافع الأيديولوجية العميقة للتنظيم، ومتى يضرب ومتى يكف. نقرأ معاً…

هاني بكري
هاني بكري

أجرى الصحافي الأمريكي مارتن سميث لقاء مع أبي محمد الجولاني قائد جبهة النصرة في سوريا، “تنظيم القاعدة فرع سوريا”، ظهر الجولاني في المقابلة ببدلة حديثة وهيئة كهيئة نجوم السينما.

من حيث المقابلة الصحافية فهي بلا شك سبق للصحافي، ومحاورة شخصية خلافية مثل هذه، هي سبق لأي عامل في الصحافة أو الإعلام. الإشكال ليس في حوار الصحافي الأمريكي مع الجولاني، الإشكال هو كيف وصل إليه؟ والرجل مطلوب من نصف أجهزة الاستخبارات العالمية.

الإجابة عن سؤال كيفية وصول مارتن سميث إلى الجولاني يستلزم معرفة طبيعة العلاقة بين “القاعدة” وأمريكا، وهي علاقة يخلط فيها كثيرون الحابل بالنابل، إذ يذهب البعض من مدعي المعرفة بتحميل أمريكا تبعية الأفكار والقراءات المتشددة التي اعتنقها أفراد وزعماء “القاعدة”. والحقيقة أن فكر “القاعدة” وأخواتها من التيارات الإسلاموية المسلحة هو صناعة تراثية بحتة، لا علاقة لأمريكا بتخليقها، لكن هناك علاقة لأمريكا بتوظيفها لمصلحتها، ولاسيما في فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

فمعروف أن تنظيم “القاعدة” شاركت في صنعه المؤسسات الأمريكية، واستعانت في ذلك بكل إمكانياتها، حتى هوليوود نفسها صنعت بإيعاز من المخابرات أفلاماً تمجد المجاهدين الأفغان، كما أنها أعطت الضوء الأخضر إلى بعض الدول العربية والإسلامية بالترويج لفكرة جهاد الإلحاد الشيوعي، وتسهيل عملية السفر إلى أفغانستان، وفتح باب التبرعات لدعم المجاهدين، في ما رأت بعض هذه الدول أنها بشحنها الإسلاميين فرادى وزرافات، سوف تتخلص من عبء ثقيل عليها، إذ ظنت أن المجنزرات الروسية ستتولى سحق هؤلاء الأغرار في المواجهات الأولى، وكانت مراهنة خاطئة، لأن الاتحاد السوفييتي كان يعاني من التفتت الداخلي والتكلس في مفاصل الدولة آنذاك. كان كمارد ضخم يوشك على التداعي، وهو ما حدث لاحقا، إذ استيقظ العالم فجأة ذات صباح على خبر انهيار الاتحاد السوفييتي.

في أفغانستان تجمعت الفصائل الإسلامية السنية في معسكر إداري مهمته فرز وتصنيف المقاتلين، وتقديم الدعم اللوجيستي لهم. عُرف لاحقا باسم “القاعدة”، ذلك قبل أن تتبلور أيديولوجيا التنظيم العقائدية ورؤيته الجهادية التي ظنت أنها أسقطت قوى الإلحاد السوفييتي، وعليها أن تقارع – قوى الاستكبار العالمي – بوصفها قوى صليبية حاقدة ومتآمرة على العالم الإسلامي، وراعية لما سمته بالطواغيت المحلية، متغافلة عن دعم هذه القوى لها بالمال والسلاح يوما، ناهيك من علمانية هذه الدول ولا دينيتها، وتنوع القوى المدنية فيها، التي بسببها اتخذها بعض الإسلاميين ملجأ لهم. هذه الرؤية الأيديولوجية أربكت التنظيم بعد ثورات الربيع العربي، إذ كان عليه أن يغير تكتيكياً بعضا من أدبياته الجهادية، وتطويعها للقتال في ساحات سوريا، وليبيا واليمن، وهي رؤية بدت على أرض الواقع قاصرة ومرتبكة، لأن التنظيم فقد القدرة على حرب العصابات، منذ الحرب الأفغانية، واعتمد على العمليات النوعية الكبيرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى بدا أفراد التنظيم عاجزين معرفيا عن سرد النصوص التراثية شديدة الطول والتعقيد، التي تبيح التوسع الهائل في القتل والخرق والذبح والاسترقاق، والتي لا ينتهجها عادة تنظيم “القاعدة” في ضرباته، لذلك اصطدم التنظيم بتيار أشد وحشية ودموية منه، “داعش” الذي صُنْعَ في أحراش وأهوار العراق على يد أبي مصعب الزرقاوي، الذي انتمي في البداية لـ”القاعدة” قبل أن ينفصل التنظيم على يد أبي بكر البغدادي لتطلق عليه القاعدة الأم لقب “الاستعصاء سيئ السمعة”. لكن تنظيم “داعش” كان أعلى كفاءة تدريبيا على حرب العصابات، وأفراده بدو متمكنون من السرديات التراثية، التي تُخَدْم على رؤيتهم العقائدية، لذلك أضحت محاولات أيمن الظواهري في خطاباته المسجلة في لعب دور الأب الروحي لكل التنظيمات الإسلاموية المسلحة في سوريا، والفصل بينهما محاولات عبثية وساذجة، لأن “داعش” كان قد تجاوز “القاعدة” تنظيريا، وبالتالي تعامل معه كتنظيم مفرط متهاون، لا يثخن في الأسرى، ولا ينكل بهم لبث الرعب في صفوف الأعداء، ولا يتخذ السبايا، ويتورع غالبا عن الإغارة بالجملة، كما أنه لا يسعى إلى استعادة الخلافة، لذلك كفّر تنظيم “داعش” القاعدة” وقتل بعضا من زعمائه، واشتبك معه على الأرض لتصفية حسابات عقائدية بحتة، في ملهاة تعكس في الأفق البعيد سطوة النص التراثي الفقهي المؤسس والمشرعن للعنف، وأنه على أرض الواقع يبدو كنص مفتوح الدلالة للمزايدة على أقصى درجات الوحشية والقابلية لإسالة الدماء، ليس فقط للمخالفين عقائديا وأيديولوجيا، بل حتى لرفاق المعتقد القدامى.

في الحالة السورية غضت أمريكا الطرف عن “القاعدة”، ودعمتها في قتالها لـ”داعش”، كثعبان يلقف ثعباناً أشد منه خطورة، كما أنها من خلال لعبة القط والفأر بينها وبين “القاعدة” باتت على معرفة بالآليات القتالية والدوافع الأيديولوجية العميقة للتنظيم، ومتى يضرب ومتى يكف. على عكس “داعش” الذي بدا مستعصياً على الفهم، ومغلقا لقنوات الاتصال كافة، إلى جانب دمويته التي فاقت كل تصور، لذلك لم يخلو الأمر من مغازلة بين الجولاني والأمريكيين؛ ففي المقابلة نفسها؛ قال إن أمريكا ليست عدوا، ولا هدفا قريبا ولا بعيدا، وعليه؛ لا بد في المقابل أن ترفع اسم التنظيم من الحركات الإرهابية. لهذا فإن السؤال المطروح في المبتدأ؛ كيف وصل الصحافي الأمريكي إلى الجولاني، ومن مهد ومن رتب للمقابلة، الإجابة؛ المخابرات الأمريكية.

مصدر المقال منشور في صحيفة القدس العربي بتاريخ 12 تموز/ يوليو 2021
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.