القاتل عن بعد.. مقاربة في الدراسة النفسيّة لسمات شخصيّة القنّاص

السؤال الرئيسيّ ما الذي يدفع هؤلاء الأشخاص ليكونوا قاتلين؟ هل يخطّط القنّاص لهجماته؟ وهل يرتبط عاطفيّاً بخطّته لدرجة عالية من النرجسيّة؟ هل هو شعوره بالرغبة في السيطرة على حياة الآخرين؟ من سيَقتل؟ ومن سيُبقي اليوم؟

الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

من أهمّ مخاطر الحروب والنزاعات المسلّحة، ظهور أدوار جديدة لم تكن موجودة ولعلّها لم تكن ضمن احتمالات أصحابها، فالبعض يجد نفسه وجهاً لوجه مع السلاح ليتحوّل ودون مقدّمات إلى مقاتل، والبعض الآخر ممّن اعتاد حمل السلاح يجد الوقت المناسب لتنفيذ كلّ ما تعلّمه من مهارات تتناسب مع مستوى العنف وسمات شخصيّته والشدّة التي تعرّض لها.

فيضطرّ للعب دور المقاتل ليواجه نظيره المسلّح بشكل مباشر أو غير مباشر ولأسباب عدّة ضمن نطاق جغرافيّ يمثل أرض المعركة.

في حين تسيطر فكرة القتل على البعض منهم، لدرجة التماهي في لعب دور القاتل وبصفة المتخفّي عن بعد-القناص- وتبدأ دوّامة القتل المجانيّ.

ضحايا عشوائيّين

والأكثر خطورة في تحوّل هؤلاء إلى قتله متخفّين “قنّاصين snipers” هو التلذّذ بقتل الآخرين وبطريقة عشوائيّة فقط لاعتقادهم بأنّ هؤلاء الضحايا هم أعداؤهم بالانتماء أو الديموغرافيا، أو ربّما في كلّ ما يظنّون أنّه مبرِّر للقتل. ويكون معظم هؤلاء الضحايا من المدنيّين والمارّة، حيث يسببّ لهم وجود هذا المجرم المتخفّي عرقلة للحياة وإثارة للرعب والهلع والترهيب المرافق لتوقّع الموت الدائم.

بالإضافة لحالة فقدان الاتزان الانفعاليّ، والتي تشكّل أحد عوامل الخطر المساهمة في ظهور العديد من المشكلات والاضطرابات النفسيّة لدى هؤلاء الضحايا المحتملين وذنبهم هو وجودهم في المكان والزمان غير المناسبين.

الأكثر خطورة في تحوّل هؤلاء إلى قتله متخفّين قنّاصين snipers هو التلذّذ بقتل الآخرين وبطريقة عشوائيّة فقط لاعتقادهم بأنّ هؤلاء الضحايا هم أعداؤهم بالانتماء أو الديموغرافيا.

سيكولوجيا القنّاص

تبدو الدراسة النفسيّة لسمات شخصيّة القنّاص والأسباب التي دفعته للقيام بهذا السلوك معقّدة نسبيّاً لصعوبة الوصول إلى هذه الفئة من الأشخاص والتعامل معهم إلّا في نطاق علم النفس القضائيّ أو الجنائيّ، وهذا ما يعدّ غير ممكن ولاسيّما في حالات الحروب والنزاعات المسلّحة وغياب سلطة القانون والقضاء.

ومن هنا كان لابدّ من طرح السؤال من هو القنّاص (القاتل عن بعد)؟

يعدّ سلوك القنص سلوكاً مقصوداً، يقوم به شخص لديه خبرة في الأعمال العسكريّة أو في الصيد أو استخدام السلاح بدقّة، ويميل أن يكون شخصاً وحيداً ومهاراته الاجتماعيّة ضعيفة، لديه نزعات عدوانيّة ورغبة في الانتقام، ويطلقَ عليه المجرم العنيف، وهو المجرم الذي تثيره حالة انفعاليّة غير عاديّة، والبعض منهم يرتكب جريمة القنص للأخذ بالثأر أو لاعتبارات سياسيّة أو اجتماعيّة أو شخصيّة ضمن مناطق صراع معيّنة.

وإذا كان القنص كسلوك هو أحد أشكال الجريمة، يمكننا القول حسب وجهة نظر التحليل النفسيّ، بأنّ القنّاص قد يلجأ لسلوكه في محاولة لاستمرار التوازن النفسيّ أو تعديله بتأثير أليّات دفاعيّة عُصابيّة، لكنّ وجهتها نحو البيئة الخارجيّة.

القناص( وكالة وطن)

العوامل النفسيّة المؤهّبة لهجمات القنّاص
ما الذي يحفّز هؤلاء الأشخاص للقتل مختبئين؟
حاول علماء النفس الإجابة عن هذا السؤال فظهرت تساؤلات أكثر ممّا توصّلوا إليه من إجابات؟
ويبقى السؤال الرئيسيّ ما الذي يدفع هؤلاء الأشخاص ليكونوا قاتلين؟

هل يخطّط القنّاص لهجماته أو نوبة القنص “attacksniper “، وهل يرتبط عاطفيّاً بخطّته لدرجة عالية من النرجسيّة، والتي تجعل منها هدفاً جوهريّاً أو ربّما لعبة أو تسلية؟

هل هو شعوره بالرغبة في السيطرة على حياة الآخرين؟ من سيَقتل؟ ومن سيُبقي اليوم؟ هذه الرغبة الدفينة في التحكّم بالحياة والموت، وأخذ دور المتحكّم بالأرواح، وما مستوى الاضطراب النفسيّ الذي يُحتمل أن يكون لديهم؟ ما طبيعة وشدّة العنف والرغبة في القتل لضحيّة لا تعلم متى ولماذا تُقتل؟

أوضح بعض علماء النفس القضائيّ من خلال متابعتهم لبعضٍ ممّن قاموا بعمليّات القنص أنّ لديهم سمات شخصيّة مختلفة ولديهم ميل للأفكار والمعتقدات الغريبة ولكنّهم لم يستطيعوا إثبات وجود خلل عقليّ لديهم.

وقد أوضح بعض علماء النفس القضائيّ من خلال متابعتهم لبعضٍ ممّن قاموا بعمليّات القنص أنّ لديهم سمات شخصيّة مختلفة ولديهم ميل للأفكار والمعتقدات الغريبة ولكنّهم لم يستطيعوا إثبات وجود خلل عقليّ لديهم.

وفي محاولة لعلم نفس الجريمة تفسير هذا السلوك في إطار نظرية الارتباط – مشكلات العلاقات – والإجهاد strain and attachment theory، والتي تشير إلى تأثير فشل الفرد في تحقيق أهدافه بنجاح والإجهاد والضغط النفسيّ المرتبط بذلك دور في ظهور هذا السلوك، ويُقصد بنظرية الارتباط السياق التطوّريّ لعلاقة الفرد بمحيطه البيئيّ والأسريّ، ونجاحاته وفشله في الارتباط معهم، والتي قد تدفعه إلى القتل المتخفّي ليخفّف شدّة التوتر وما يولّده لديه من شعور بالضيق الحادّ من جهة، ومن جهة ثانية، فهو يسعى لتعويض ذلك بالبحث عن المعنى والقيمة الذاتيّة بطريقة مختلفة، وهذا ما وضّحته نظريّات الضبط، والتي تفترض أنّ الدافع للسلوك الإجراميّ يعكس قوّة العلاقات والروابط بين الفرد والآخرين ذوي التأثير الإيجابيّ عليه، وبناءً عليها إمّا أن تُسهم هذه العلاقات في ظهور واستمرار السلوك الإجرامي، أو تكون عاملاً مساعداً في عدم ظهوره والحدّ منه.

وقد أكّدت بعض دراسات علم النفس العسكريّ والجنائيّ، وكما وضّح (Hayslett-McCall and Bernard,; 2002) أنّ بعض الأشخاص ممّن يلتحقون بالأعمال العسكريّة أو ما يماثلها يكونون قد تعرّضوا للعزلة والفشل الاجتماعيّ في مرحلة الطفولة، وهم ممّن يعانون من نقص تقديرهم لذواتهم ونقصٍ في المهارات الاجتماعيّة والتواصل، يدفعهم إلى محاولة إثبات الوجود واستعادة القيمة الذاتيّة لدرجة يرفضون فيها الفشل في هذه البيئة والتي يمكن أن تتحوّل إلى نزعات تدميريّة عنيفة والتي قد تحوّل الفرد إلى شخصيّة إجراميّة سيكوباتيّة مضادّة للمجتمع.

وقد يتطلّب الأمر الكثير من البحث والدراسة المنظّمة لنستطيع الحديث وبموضوعيّة حول سيكولوجيا القنّاص ودوافعه وصراعاته وسماته الشخصيّة واضطراباته.

هي إضاءة خجولة وصوت في وجه ما تفرزه الحروب المقيتة علّها تصل إلى مَن يعتقد أنّ سلوك القنص جزء من الثورة والقتال من أجل الحرّيّة، أو يظنّ أنّ ما يقوم به يمثّل سلوك الثائرين ممّن اضطرّوا لحمل السلاح.

وسؤال لكلّ من يحمل السلاح هل أنت مقاتل أم قاتل؟

مصدر فواز طرابلسي، العنف في الحروب الاهلية: القنّاص والمنتقم جلنار صادق، سيكولوجيا القناص موسوعة علم النفس الجنائي
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.