الفيلق الخامس “اقتحام”

خاص بالأيام|| فرات الشامي –

لا تزال ذاكرة الثورة تشهد بأن النظام السوري سخر كل إمكاناته لتحويل مسار الثورة السلمي، كما لا تزال الذاكرة تؤكد أن النظام تفاخر مراراً بأن العدد الكبير من المتطوعين والمقاتلين في “جيشه” أو “مليشياته ولجانه الشعبية المسلحة” هم وبمعظمهم من أبناء الطائفة “العلوية”.

الشكل السابق للمكون العسكري وجه بالطبع المسار الثوري في سوريا لاتجاهين الأول: نحو التجييش الطائفي، والثاني: وهو ما نحاول التطرق له في هذه السطور نقل الثورة من مرحلتها “السلمية” إلى “السلاح”، مجبراً “معارضيه” إلى أحد هذين الاتجاهين.

توسع رقعة الاشتباك بين الثوار وعصابات الأسد من أقصى جنوب سوريا إلى أقصى شمالها، وعجز الأسد عن “وأد الثورة”، وضعفه في تطويع “أبناء الطائفة السنيّة” إلا بصورة محدودة، كان لا بد من الاعتماد بشكلٍ أكبر على أبناء طائفته في قيادة سير المعارك، ووضعهم في مقدمة المواجهات ضد فصائل المعارضة السورية المختلفة، هذا مع التأكيد على “عدم ثقته” بأبناء “الطائفة السنية”.

أبناء “الطائفة العلوية” من الذين انخرطوا في حربهم إلى جانب “الأسد” بدافع “عاطفي” فيما يظهر للمتابع وتؤكده الشواهد على أرض الواقع، لم يحسبوا طريقاً للعودة، وكان “النظام” يعزز موقفهم القتالي بتسخير كل ما يملك من قوة عسكرية لهم، مغلقاً في وجههم كل الطرق المؤدية للتراجع عن مساندته.

مع تنامي القدرات القتالية للمعارضة السورية بشكلٍ تدريجي في كل منطقة يحررونها، أو حتى في أي قطعة عسكرية للنظام السوري تسقط بأيديهم، جعل قوتهم تتعاظم، وتثور بشكلٍ مضطرد أمام كل “مجزرة” يحاول من خلالها “نظام الأسد” الضغط عليهم وإيقاف تمددهم.

لم تنجح سياسة الأسد في ترهيب المدنيين والضغط على الثوار، لم تنجح في ثنيهم عن “فكرتهم وثورتهم”، كما لم ينجح ترهيبهم بالموت منذ اليوم الأول للثورة، بل إن ارتكابه للمجازر وكثرة الدماء جعلتهم أشد ضراوة وصلابة.

بالمقابل، فإن فقدان عصابة الأسد لمناطق حيوية وهامة عسكرياً واستراتيجياً مع انطلاقة الثورة المسلحة، مثل خسارته محافظة إدلب في الشمال، وفقدانه أحد أهم المعابر الاستراتيجية مع الأردن «معبر نصيب»، وتراجع حزب الله اللبناني إلى الخطوط الخلفية من درعا باتجاه السويداء بعد انسحابه أمام ضربات الثوار، تكشفت تلك الأيام عن نتائج كارثية تمثلت بـ”خسارة الطائفة العلوية لمئات القتلى من أبنائها خلال فترة زمنية قليلة للغاية”.

مشهد “الصناديق المغلقة” المغلفة بـ”علم البعث” والمحمولة على الأكتاف، أدى لغضب عارم داخل البيت “العلوي” بوجهٍ خاص، ولنكون أدق في توصيف الحالة عن قرب فإن مشهداً في إحدى القرى “العلوية” يكفي لفهم الحالة عموماً.

يؤكد “علي” أحد أبناء الطائفة العلوية في حوارٍ سابق دار بيني وبينه في ريف دمشق، أثناء اعتقال إحدى فصائل الثوار له، يقول بما معناه: (( في كل منزلٍ شهيدين أو أكثر، لدرجةٍ بتنا نتهكم قائلين “لم يبق رجال في الضيعة”، ونسأل بعد كل تشييع: “إذا بقيت النساء فمن يحمل الصناديق، من يواسي العجائز؟ ))، مضيفاً: (( سماع خبر الموت سهل، لكن أن يدخل الأسرة في ليلةٍ واحدة رفات إخوةٍ ثلاث، مسألةٌ تثير الرعب )).

مطالعة صغيرة لصفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بالموالين تضج بعباراتٍ مثل: «ذهب شبابنا، وما عم نعرف كيف بدنا نكمل حياتنا، وكل يوم منقول خلصت، ولكن الحقيقة أن قرى الساحل وبلداتها هي التي فرغت من شباب، وهنا نريد أن نسأل، من هو المسؤول عن إفراغ الساحل من شبابه؟».

بالتأكيد مثل هذه الكلمات تلقى “تخويناً” من طرف الموالين إذ إنها “تجاوزت الخطوط الحمراء المسموح بها”، لكنها تمثل حالة سرعان ما تشتعل وتتحول الصفحات تلك إلى شبه “معركة كلامية”.

الملفت أن معظم التساؤلات تشير بالاتهام إلى بقية شرائح المجتمع السوري من “الأقليات” بالتحديد، وهذا يمكن ملاحظته في بعض التعليقات على الصفحات الإعلامية المحسوبة على “نظام الأسد” ونورد هنا بعضاً مما نفسر به قيام النظام السوري بخطوات هامة لوقف هذا النزيف أو على الأقل “تخفيف حدته” وبالتالي “التخفيف من الضغط الشعبي في الشارع الموالي”.

تقول إحدى المواليات للأسد: (( مقارنةً بالدور الذي لعبته الطائفة العلوية خلال سنوات الأزمة، فإننا قدمنا 200 ألف شهيد بالمقابل أين دور “مسيحيي سوريا”، ماذا جنينا سوى الموت والفقر، من يقف وراء إفراغ الساحل من شبابه؟ )).

فيما يعلق أحدهم على إحدى الصفحات التي تعتبر من الأكثر متابعةً لدى الموالين قائلاً: (( ألا نعتبر أقليةً كغيرنا… ألسنا نمثل جزءاً من الأقليات في الدولة، كالمسيحيين والدروز، لا أعتقد، لقد كتب علينا الموت، الموت علينا حلال وشهادة وعلى غيرنا حرام، إن قتل “مسيحي” واحد تتهافت لأجله الأرض والكنائس)).

ما تجنيه “الطائفة العلوية” اليوم هو “زيادة عدد القتلى”، ولعل البعض منهم يسأل نفسه، كما حدثني “علي” قائلاً: «بس بدي أعرف شو قيمة قتالنا إزا انتهى شبابنا مع نهاية الأزمة، كأنو لازم نموت ويعيش سيادتو ».

بالمجمل تشير هذه التعليقات، والحوار السابق عن مدى ما تدفعه “الطائفة العلوية” المخدوعة من “ضرائب كبرى” نتيجة مواقفها المساندة للأسد، ونؤكد بدافع “عاطفي” ومفاهيم خاطئة عن مراد “الثورة”، وأنها جاءت لرفع الظلم “عنهم وعن بقية شرائح ومكونات المجتمع السوري” بلا خلفيات “عرقية أو طائفية وقبلية”، كما أدعى الأسد، بل إنها “كانت ولا تزال تحمل الموقف والهم الوطني المبني على أسسٍ أكبر من «عائلة الأسد».

انطلاقاً من توصيف المشهد السابق، ولربطه بما يحدث اليوم في دمشق والساحل السوري وجميع المناطق الخاضعة لنفوذ عصابة الأسد، نطرح السؤال التالي:

ماذا بعد التهجير وسياسة التغيير الديمغرافي في ريف دمشق؟

عنوانٌ عريض، وسؤالٌ في غاية الأهمية يطرحه الناس في أحاديثهم الجانبية بعيداً عن عين “الرقيب” في المناطق التي تعيش في “كنف وحضن الأسد”.

سؤال بلا ريب أنه كان حتى وقتٍ قريب يشغل الشارع السوري عموماً، والمتخوف من الإجابة عن السؤال هم جيل الشباب في المناطق التي عادت إلى سيطرة عصابات الأسد.

المشكلة لا تتعلق فقط في إفراغ مدن وبلدات الريف الدمشقي مثل “قدسيا والهامة والتل” من وجود الثورة، بل تتعاداها اليوم إلى أبعد من ذلك، وبالطبع لا نتحدث عن التفريغ الديمغرافي فقد بات كما يقال “تحصيل حاصل” فيها.

يسعى نظام الأسد وحلفاؤه اليوم إلى تأمين العاصمة السورية دمشق من الجهة الغربية.

الخطوة الجديدة كانت مطروحة منذ خروج مقاتلي قدسيا والهامة، لكن بعد شهور ست من تطبيق بنود التهجير، وتتضمن هذه الخطوة تسوية أوضاع الشباب في سن الخدمة الإلزامية.

تؤكد مصادرنا في المناطق التي تحولت اليوم إلى سيطرة عصابات الأسد بشكلٍ مباشر، بأن هناك خطوات متسارعة واستباقية لتطويع من بقي من الناس لضمان حماية أكبر للعاصمة.

كعادتها “مليشيات الأسد” تضرب بعرض الحائط أي اتفاق مبرم مع المعارضة، حيث بدأ النّظام السوري وضع خطّة لتجنيد الشباب والرجال في المناطق التي تدخل ضمن المصالحة والهدن مع النظام ضمن ما يسمّيه بـ”الفيلق الخامس اقتحام” والذي يروّج له في مناطق سيطرته في المحافظات السورية، ومنها اللاذقية والساحل التي يتحدث نشطاء فيها عن احتمال إفراغها من مكونها الذكوري.

النّظام حاول من خلال “منبر الجمعة” في المساجد إعطاء صبغة شرعية على “دعايته في تطويع الشباب”، حيث وجّه “رجال الدين” للحديث عن أهمية تسوية أوضاع الشباب والرجال المطلوبين والمتخلفين عن خدمة العلم، مقابل تطوّعهم في “الفيلق الخامس اقتحام”، مع الإشارة بأن التطوع بات ضرورة “دينية”، وفي بعض الأحيان “جهادية”.

عصابة الأسد التي تروج أنها تبتعد عن الخطاب “الديني أو الطائفي” والتجييش في هذا الباب، بدا أنها تميل من “العلمانية” إلى “دولة تخاطب المشاعر الدينية” وتستعطف الناس وفئة الشباب “الرماديين” على وجه الخصوص.

تؤكد مصادرنا في تلك المناطق أنّ استخبارات النظام السوري وجّهت أوامر خطيّة دعت فيها خطباء المساجد كافّة في المناطق الخاضعة لسيطرته لكي يدعوا الناس للانضمام إلى “الفيلق الخامس اقتحام” في المناطق التي دخلت أخيراً في مصالحة مع النظام برعاية روسيا، وتعدتها إلى مناطق “الساحل السوري”.

وكالعادة فقد وجهت المخابرات السورية تلك الأوامر عبر وزارة الأوقاف في حكومة النظام، وطالبت بإلقاء خطب تحض الشباب والرجال على الالتحاق بـ”الفيلق الخامس اقتحام” تحت شعار “الدفاع عن الوطن”، مقابل “مبلغ مالي قدره 100 ألف ل. س (أي ما يعادل 190 دولاراً أميركياً ) وتسوية أوضاعهم”، بحسب مصدر خاص للأيام من داخل وزارة التربية التي وجه النظام لها خطاباً عبر أجهزته الأمنية أيضاً لحث الشباب في المرحلة الثانوية على الانخراط في الفيلق الخامس المذكور، وأضاف المصدر:(( هددت مخابرات النظام كلاً من الشيوخ والدعاة والداعيات ومدرّسي مادة الديانة في المدارس والمعاهد الإسلاميّة والجامعات بالمحاسبة في حال لم يلتزموا بالأوامر الموجهة عن طريق وزارة الأوقاف؛ ووزارة التربية )).

نشطاء في مدينتي قدسيا والتل أكدوا أن “قوّات النظام لجأت إلى الاتصال بالهواتف وإرسال رسائل نصية إلى المطلوبين من أجل الالتحاق بالفيلق مقابل مبلغ مادّي كبير شهرياً”.

وبحسب ذات المصدر في وزارة التربية فإن النظام لم يستثنِ المدرسين من الخدمة الاحتياطية.

كما أضاف المصدر أن: (( النظام فرض رسوماً كبيرة على الطلاب الذين يريدون التسجيل في الجامعات في حال الرسوب أو الاستئناف، لإجبارهم على الالتحاق بالفيلق، بينما رفع سن الاحتياط إلى 50 عاماً بدلاً من 42 عاماً، كما سحب الإعفاء من المدرسين وبعض الموظفين )).

الجدير ذكره أن النظام لم يكتف بالترويج لميليشياته المزمع تشكيله في المدارس والمساجد، لا  بل عمل على تكثيف حملته الترويجية عبر إقامة الندوات في المراكز الثقافية ونشر الدعايات في الطرقات ووسائل الإعلام إضافةً لوسائل الاتصال.

شخصياً، أعتقد أن النظام يحاول الوصول إلى نقطة توازن، وتعويض الفراغ الذي سوف يتركه “تناقص أعداد الموالين له من أبناء طائفته” نتيجة سقوط الكثير منهم قتلى في المعارك، كذلك لتحقيق توازن مع تزايد أعداد المليشيات “الشيعية” المساندة له والتي باتت اليد الضاربة، وصاحبة القرار كما هو حال “حزب الله” اللبناني.

لكن ماذا عن القرار الشعبي لمواجهة هذه الخطوة، مجرد سؤال.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.