الفيدرالية.. اتحاد اختياري وطوعي وتعايش مشترك بين الشعوب والأقليات

الاتحاد الاختياري هو أحد ممارسات حق تقرير المصير، المنصوص عليه في العهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة، ولا يتحقق هذا الاتحاد إلا في نظام ديمقراطي تعددي برلماني تراعى فيه حقوق الإنسان.

الأيام السورية؛ سلام محمد

يتمّ تداول مصطلحَي الفيدرالية والكونفدرالية بشكل كبير في وسائل الاعلام، كما يتمّ الخلط بين المفهومين في كثير من الأحيان؛ لتشابه لفظ كلّ من المصطلحين، ولكن ثمة فروقا كبيرة بينهما، وفي هذا المقال سنعرّف بهما، ونكشف في الوقت نفسه ما يميّز الواحد منهما عن الآخر.

تعريف الفيدرالية

تعرّف الفيدرالية بأنها اتحاد اختياري بين ولايات أو أقاليم، تختلف فيما بينها، عرقياً أو دينياً، أو ثقافيا. والنظام الفيدرالي يجعل من هذه الاختلافات مجتمعة شخصية قانونية واحدة أو نظاما سياسيا واحدا، مع احتفاظ كل جزء من هذه المجموعات بالشخصية المميزة المتمثلة بخصوصيتها، ليكون الجامع بينهم هو الأهداف المشتركة والمصير المشترك؛ وبالتالي، فهي تعني الاتحاد الاختياري أي التعايش المشترك أو الاتحاد الطوعي بين الشعوب والأقليات وحتى بين الشعب الواحد في أقاليم متعددة كما الحال في ألمانيا.

والاتحاد الاختياري هو أحد ممارسات حق تقرير المصير، المنصوص عليه في العهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة، ولا يتحقق هذا الاتحاد إلا في نظام ديمقراطي تعددي برلماني تراعى فيه حقوق الإنسان، ويكون الأساس الذي يقوم عليه هذا النظام الفيدرالي هو الدستور بوصفه أعلى قاعدة قانونية، فالحكام ونشاطهم والقواعد الناجمة عن هذه النشاطات تخضع لهذا القانون (الدستور) ولا يمكن للحكام أن يخرقوه، وليس لهم صلاحيات سن القوانين وتعديلها كما في النظم الدكتاتورية الفردية والشمولية.

المركز والإقليم

تتكون الدولة الفيدرالية من إقليمين (منطقتين) أو أكثر تخضع بموجب الدستور الاتحادي لحكومة مركزية واحدة تنفذ في حدود سلطاتها اختصاصاتها سلطاتها على حكومات أقاليم الأعضاء وعلى رعايا تلك الأقاليم؛ فهناك إذا، حكومتان أو أكثر.

أ – الحكومة المركزية للدولة الفيدرالية

وهذه تكون صلاحياتها أو الاختصاصات التي تتمتع بها، في معظم الدول:

1- الدفاع الوطني وإعلان الحرب وعقد الصلح والإشراف على جميع القوات المسلحة في البلاد.
2- السياسة الخارجية وكل ما يتعلق بها من التمثيل الدبلوماسي والسياسي والانضمام إلى المؤتمرات والهيئات الدولية.
3- عقد المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ولكن هناك بعض الدساتير التي تضمن للحكومات المحلية حق إبرام بعض المعاهدات غير السياسية كالمعاهدات الثقافية والتجارية والتي لا تتعارض مع السياسة العامة للدولة الفيدرالية.
4- السياسة الاقتصادية كوضع الخطط الاقتصادية وخطط التنمية بعد مشاورة الحكومات الإقليمية وإصدار العملة وإدارة المصارف وتنظيم الميزانية العامة وتخصيص المبالغ اللازمة لميزانيات الأقاليم، بالإضافة إلى الرقابة المالية.
5- إدارة المطارات الدولية والموانئ والمواصلات السلكية واللاسلكية.
6- استثمار المعادن، النفط، والطاقة الذرية.
7- إدارة الجمارك والمكوس والضرائب.
8- توحيد التشريعات الجنائية والمدنية.
9- الإشراف على الوزارات والأجهزة المركزية.
10- شؤون الجنسية والأجانب والإقامة والسفر، ويحق للحكومة المحلية (الإقليمية) إصدار التشريعات الخاصة بها لمنح الجنسية على أن لا تتعارض مع الدستور الفدرالي.

ب – الحكومة المحلية للإقليم أو المنطقة

وهذه تختص فيما تبقى من اختصاصات ليست للحكومة المركزية.

السلطة التشريعية

في الفيدرالية أيضا، وهـــنـــاك سلطتان تشريعيتان:

1- مجلس القوميات (مجلس الشيوخ)، ويكون التمثيل فيه بنسب متساوية مهما كان حجم الإقليم والكثافة السكانية وغالبا ما ًتكون نسبة التمثيل فيه نائبين لكل إقليم.

2- السلطة التشريعية الثانية، هو مجلس الشعب (النواب) ويكون تمثيل جميع الأقاليم بنسبة عدد السكان فيه (الكثافة السكانية) ويتم انتخابهم من قبل سكان الأقاليم بالاقتراع الحر السري العام المباشر.

وهذان المجلسان يكونان البرلمان الفيدرالي وهو أعلى سلطة تشريعية في الدولة الفيدرالية ويتمتع بجميع الاختصاصات والحقوق المنصوص في الدستور الفدرالي، بالإضافة إلى مجلس تشريعي لكل إقليم، ونستنج مما سبق بأن فكرة الدولة الفيدرالية تستند على حقيقتين وهي ثنائية السلطة وثنائية المجالس التشريعية.

نشأة الدولة الفيدرالية

يثير البحث في الدولة الفيدرالية، باعتبارها دولة اتحادية، مسألة كيفية نشأتها. ومن خلال الدراسات المقارنة يتبين أن الدولة الفيدرالية يمكن ان تنشأ بإحدى طريقتين:

الأولى: تفكك دولة بسيطة موحدة إلى عدة وحدات ذات كيانات دستورية مستقلة، ثم بناء على الدستور الفيدرالي يتم توحيد هذه الولايات ثانية على أساس آخر وهو الدولة الفيدرالية، ويعتبر كل من الاتحاد السوفيتي سنة 1922 والبرازيل سنة 1891 والأرجنتين سنة 1860 والمكسيك وفق دستور سنة 1857 المعدل سنة 1917 وتشيكوسلوفاكيا سنة1969، من الدول الفيدرالية التي نشأت بهذه الطريقة.

الثانية: انضمام عدة ولايات أو دول مستقلة يتنازل كل منها عن بعض سلطاتها الداخلية، وعن سيادتها الخارجية ثم تتوحد ثانية لتكون الدولة الفيدرالية على أساس الدستور الفيدرالي ومن أمثلتها الولايات المتحدة الأمريكية عام 1787وجمهورية ألمانيا الاتحادية عام1949 والاتحاد السويسري عام1874 واتحاد الإمارات العربية عام1971.

واذا نظرنا إلى فكرة الفيدرالية في ذاتها، وجدناها تقوم على أساس عنصرين متناقضين هما “الاستقلال الذاتي” و”الاتحاد”، وأن الترابط بين هذين العنصرين بعلاقتهما المتبادلة والمتعارضة يشكل وحدة المفهوم الحقيقي للدولة الفيدرالية التي هي نتاج التوفيق بين رغبتين متعارضتين: تكون دولة واحدة من ناحية، والمحافظة على أكبر قدر من الاستقلال الذاتي للولايات الأعضاء من ناحية أخرى.

نمط آخر

هنالك نمط من الفيدرالية يسمى نظام الفيدرسي حيث تعمل بعض الولايات عمل الولايات الداخلة في فيدرالية فيما يعمل بعضها الآخر عمل تلك الداخلة في دولة متحدة.

ومن الدول التي تتبع هذا النظام، دولة الدنمارك التي تضم إقليمين ذوي حكم ذاتي وخمسة أقاليم متحدة، وفنلندا التي تحوي محافظة واحدة ذات حكم ذاتي و19 إقليما متحدا، وفرنسا التي تضم محافظة ذات حكم ذاتي و26 إقليما و4 أقاليم اتحادية ومقاطعة واحدة، ومملكة هولندا التي تتكون من إقليمين بحكم ذاتي و12 محافظة متحدة، والبرتغال التي فيها إقليمان مستقلان ذاتياً هما إقليم أزوريس وإقليم مادريا فضلاً عن 18 مقاطعة متحدة، وتنزانيا التي تتكون من 21 إقليماً في البر التنزاني وإقليم زنجبار في البحر وهو ذو حكم ذاتي، وأوكرانيا المكونة من 24 إقليما من نوع أوبلاستيس ومدينتين ذات وضع خاص مرتبطة بجمهورية كريميا ذات الحكم الذاتي.

مصدر الأطلس السياسي، موقع سطور موقع جامعة بابل وكالات
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.