الفن الكردي ودوره في خلق وتكريس قيم الثقافة في المجتمع الكردي

تاريخ الأدب والفن الكردي قديم، لكن نزعة الحداثة والتجديد بعد منتصف القرن العشرين ساهمت في رفع الفن الكردي إلى مصاف عالمي، باعتبار الكُرد شعب مستقل بتراثه وثقافته ووعيه وحكاياته، وقادر على معاصرة الفنون العالمية.

الأيام السورية؛ خالد علوش

دائماً ما كان الشعب الكردي في الوعي الجمعي الأوسطي (الغرب آسيوي)، موصوماً بالعناد، ولهذا بالطبع أسبابه السياسية والتاريخية، وبالأخص انتشار المفاهيم القومية مع بداية القرن الماضي.

السياسية الاستعمارية الفرنسية والانكليزية لسوريا والعراق، وتصاعد وتيرة الوعي القومي العربي كأكثرية. سقوط الإمبراطورية العثمانية وصعود التيار القومي العلماني التركي كشعب مستقل عن المزيج الثقافي التاريخي لتلك الإمبراطورية المعتمدة سلطة الدين. وحتى في إيران الاضطرابات التاريخية بين حركة العلمانية العميلة لأمريكا وسقوطها بثورة طائفية خمينية.

كل ذلك القرن المليء بهذه النزاعات، كان الأكراد كشعب يحاولون الخروج لإيجاد حقوقهم المهدورة، وبينما كانت تلك الشعوب والحكومات تتصاعد بوتيرتها السياسية والثقافية معاً، بقي السعي الكردي محصوراً في إطار سياسي للتحرر من تلك النزعات القومية. لقد طغى مفهوم المقاومة السياسية الثورية على الشعب الكردي وتم تصنيفه كحالة متمردة دائماً للحصول على اعتراف عالمي بحقه كقومية مستقلة وليست خاضعة لدولة أخرى.

هذا التطور ذو الجانب الأحادي في الصبغة الكردية، أضعف بالشكل العام أي اهتمام ثقافي شامل لديهم. لكن مع سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بدأ وعي جديد يتحرك في المجتمع الكردي؛ من أن المجتمع ليس نزعة سياسية فقط، بل هو محور أكثر عمق من حيث فهمه للحياة والثقافة والفن، لذا بدأت منذ خمسين عام تقريباً تتمظهر حالة الفن الكردي وتتبلور. قد لا تبدو أنها قد وصلت إلى مرادها في عالم اليوم، لأن خمسين عام ليست فترة طويلة، إنها مرحلة مخاض فعلي، ومع ذلك استطاع بعض متحرري العقول من الشعب الكردي وفنانيهم أن يستقلوا عن النزعة السياسية القومية ويعملوا من أجل رفع وعي وتاريخ وثقافة هذا الشعب.

صورة تعبيرية (مركز الفرات للدراسات)

يمكن القول أن النزعة الفنية الأولى والتي تمظهرت في شكل الموسيقى، هي أقدم الأشكال الفنية مع هذا الشعب، لكنها لا تحدد الوعي المعاصر وطريقة فهمه المختلفة في القرن الماضي، لأن الموسيقى هي بطبيعتها نزعة فردية ولا تحتاج لمؤسسة يمكن من خلالها أن تتحول إلى ثورة اجتماعية بقدر ما هي إعادة تصنيع التراث واستمراريته، لذا يمكن اعتبار البداية الحقيقية لفن مختلف عند الشعب الكردي، ظهر في السبعينيات، مع شيركوه بيكس في العراق شعرياً وسليم بركات في الثمانينات في سوريا كفن لغوي قصصي وشعري وروائي مختلف عن السائد، ويلماز غوني كسينما عبّرت عن أزمة الهوية الثقافية لهذا الشعب في تركيا، أو بهمان قبادي كسينمائي كردي إيراني، وعمر حمدي كرسام تشكيلي سوري. وحتى موسيقياً، لم تخرج الموسيقى الكردية من قالبها الكلاسيكي إلا مع جوان حاجو في سوريا وأحمد كايا في تركيا.

بالطبع تاريخ الأدب والفن الكردي هو أقدم من ذلك بكثير، لكن نزعة الحداثة والتجديد التي رافقت هذه الأسماء كان لها الفضل في رفع الفن الكردي إلى مصاف عالمي، لقد أدخلته بقوة إلى أن هذا الشعب مستقل بتراثه وثقافته ووعيه وحكاياته، وقادر على معاصرة الفنون العالمية.

وإلى اليوم ما زالت نزعة التجديد مستمرة وتنتشر بصورة أكبر، إنها تنفصل فعلياً عن حركة العمل السياسي، لقد وعى الشعب الكردي أن الفن والثقافة والتركيز على تراث هذا الشعب وتطويره وتقديمه بأسلوب فني راقي إلى العالم، هو أحد أهم أشكال تحرير هذا الشعب، لم تعد السياسة كافية، ولا تحقق طموحات مجتمع. هذا لا يعني بالتأكيد انفصال الحركة الفكرية عن قول الموقف السياسي القومي والثقافي بالمنطقة، بل يعني فهم شامل أن صيغة الفن ليست بالضرورة أن تكون معبر أيديولوجي دائماً عن النزعة الحزبية الضيقة. ما فعله الشعب الكردي وممارسيه من الفن، هو أنهم أدركوا بأن قولبة البشر بأبعاد سياسية فقط هو أمر لا يمكن من خلاله خلق مجتمع كردي مميز.

هناك الكثير الذين ما زالوا ينتمون إلى الحلقة الأضعف في فهمهم الخاص بخلق وبناء دولة من طراز سياسي ضيق الأفق، لكن على الجانب الآخر هناك القوة المضادة التي تعمل جاهدة لترسيخ قيم الثقافة في المجتمع الكردي.

هذا التنازع غير المرئي هو حالة مخاض فعلياً، لكنه بداية ضرورية لقول كلمة واضحة بأن هذا الشعب يستحق الحياة ليس كمشروع سياسي فقط، إنما كثقافة لا يمكن محوها.

صورة تعبيرية (صحيفة روناهي)
مصدر أرشيف الأيام
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.