الفن التشكيلي الكُردي والاحتفاء باللون

بقلم: خالد علوش

بين شحوب اللوحة عند بهرام حاجو، إلى التكثيف الداكن لدى عمر حمدي، إلى ملامح فلسفة كارافاجيو التظليلية لدى رشيد حسو، مروراً بعشرات الأسماء الأخرى التي شكّلت عوالم الفن التشكيلي الكُردي الحديث، نقف أمام تجربة فنية غنية أبدت استعداداً للدخول إلى العالمية بصمت اللوحة وتاريخ شعب قُهر في بلاد ممزقة.

لقد حقق هذا النوع الفني حضوراً عالي المستوى، متقدماً على الفنون الأخرى من أدب وشعر وسينما وحتى موسيقى، لاحتوائه على خيال غير منطوق، ولون يحدد معايير القسوة والهدوء بصرياً. إنه فن ترميزي متضخم بالنسبة للمتأمل فيه. يمكن القول إنه الفن الأول الذي لم يكن أحد قادراً على اكتشاف خفاياه ورسائله بالنسبة للرقابة السياسية التي كانت تُمارَس على الفنون الأخرى باعتبارها بطريقة ما مفهومة أكثر، لذا فأتت اللوحات معبراً ثقافياً عميقاً عن تجربة الكُرد وأحلامهم.

وبرغم أن هذا الفن ابتدأ بشكل طبيعي مع تطورها أيضاً في الجانب العربي، إلا أن التشكيل الكُردي أخذ خصائصه منذ البداية ورسم أهدافه وأدواته الذهنية والفلسفية، وهذا ما نشاهده في لوحات عنايت عطار، بالانطباعات المعكوسة والمشوهة بتقصّد واضح، جسّد من خلالها الجانب الأسطوري من الأدب في الملحمة الشعبية مموزين وأعطى نساء لوحاته ذلك البعد المفتوح بالتركيز على ألوانه الناصعة البيضاء والزرقاء.

الفنان عنايت عطار (العربية نت)

وأيضاً فلسفة زهير حسيب بالتكعيبية الواضحة المستقاة من مزيج شكلي بين بيكاسو وموديغلياني، ونساء مغرقات بالتراث الفني، وحصرهم بقدر المستطاع في شكل ضيق، بألوان ثنائية تضفي على لوحاته انطباعاً بالتوحّد القاسي. أو أعمال بشار العيسى ذو الدلالات الشاسعة بالتوحيد اللوني، وإظهار قوة الريف في وجوه شخوصه وهم جزء متكامل من لون واحد طاغي، دون إخضاعها لتقنية التنويع، إنه يضفي حقيقة معروفة وبسيطة دون تعقيد، ويمكن قراءتها بسهولة لدى المتلقي.

اللوحة للفنان عنايت عطار (موقع الرسام)

هذه الأعمال وغيرها أعطت شكلاً حدد فلسفة الفن التشكيلي الكُردي خلال عشرات السنوات، ونقلت مأساة وتراث الشعب الكُردي إلى العالمية بسهولة وانفتاح كان مقبولاً منذ البداية بالنسبة للعالم الغربي.

وبرغم أن هذا الفن كان من أولوياته تحديد الهوية الثقافية، إلا أنه لم ينغلق على مضماره القومي، كما جرى في بعض الفنون الأخرى التي ركّزت على المعاناة المباشرة في كثير من الأعمال النصوصية في الأدب أو حتى أحياناً في السينما، أو الموسيقى المغناة شفوياً، لقد لعب الفن التشكيلي دوراً في إفهام العالم أن القومية هي جزء من الوعي الثقافي وتراثيته وليست جوهره.

الفنان زهير حسيب (الصدى نت)

وهذا ما أقدم عليه عمر حمدي المعروف بمالفا، الذي اتخذ التعبيرية أسلوباً واضحاً في تجسيد الوجوه والأجساد وحتى رؤيته الخاصة للطبيعة بفلسفة لونية تفرض نفسها بكل لوحة على حدة، وهو ما أعطى للوحاته بعداً مستقلاً ومفهوماً متمايزاً عن النسق الواحد الذي وُجِد لدى باقي الفنانين الكورد، ولهذا اعتُبر حمدي واحد من أهم فناني العالم، رغم ما انطبعت به رؤيته اللونية كحالة تكثيفية داكنة.

الفنان عمر حمدي (العربي)

يُعتبر الفن التشكيلي اليوم هو واجهة الثقافة الكُردية العالمية، وأكثر رسالة إنسانية جمعيّة، حددت هوية هذا الشعب المتلاشي تحت ضربات السياسة الدولية، وأعطته بُعداً مستقلاً ليخرج من عباءة الهم التصارعي اليومي بين السياسات، ليقول كلمته بأن تراث الشعب الكُردي بألوانه الصامتة هو أعمق وأصدق من كل شكل استيلابي للهم الشعبي والتراثي الخاضع لإثبات الذات من خلال المكون الجغرافي.

من أعمال الفنان عمر حمدي (اكتشف سوريا)

لقد احتفى هذا الفن، دائماً وأبداً، بألوانه الخاصة وثقافته المميزة ليكون نسقاً مختلفاً ومتطوراً لشعب وفنانين يريدون ترسيخ هويتهم بالسلام والجمال.

الفنان بهرام حاجو مع لوحة له (الصدى نت)ءؤيثب
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.