الفرنكوفونية أيديولوجيا وسياسة أم لغة وثقافة؟

هل استمرار حرص فرنسا على الفضاء الفرنكوفوني، يأتي حبّا في نشر الثقافة والحضارة وفكر الأنوار كما يشاع؛ أم ليظل هذا الفضاء سوقا لشركاتها ورجال أعمالها، تفرض استمراره كمجال حيوي لاقتصادها ولو بقوة السلاح؟

الأيام السورية؛ سلام محمد

بحسب كثير من المثقفين، وضعت فرنسا استراتيجية منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ لجعل الفرنسية سلاحا يُخضعون به الرقاب، وصاغ هذه الاستراتيجية عالم الجغرافيا “أونسيم روكولو” (1837-1916)، منظر الفرنكوفونية التي لا تنفصل في اعتقاده عن التوسع الكولونيالي، وكان دعا إليه بحماس في مؤلفات نذكر من بينها “تقاسم العالم”، “بداية مصير عظيم”، “فرنسا، الجزائر، والمستعمرات”.

التعويض عن المجد المفقود

بعد هزيمة فرنسا أمام القوات البروسية في معركة سودان عام 1871، وفقدانها مقاطعتي الألزاس واللورين، وتردّيها إلى حالة ضعف تخالف فكرة العظمة التي كانت تتباهى بها، ما دفع قادتها في تلك الفترة، وفي مقدمتهم جول فيري (1832-1893) إلى البحث عن حلول تعيد إليها مجدها المفقود، فكان التوسع الاستعماري هو الملاذ، وإن رأى فيه معظمهم آنذاك مجرد مستوطنات ذات صبغة تجارية، للاستيلاء على خيرات البلدان الضعيفة.

وبما أن تأهيل المستوطنات أمر في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلا؛ لم تجد فرنسا من حلّ سوى العمل بنظرية ريكلو، الداعية إلى استيعاب الشعوب المحتلة عن طريق نشر اللغة، إذ كتب يقول “إذا خَثّرتْ لغةٌ شعبًا، فكل العناصر العِرقية لذلك الشعب تغدو رهينةَ تلك اللغة”، لأن اللغة لديه عماد الإمبراطوريات، والعروة الوثقى للحضارات، وكان يقول “ستكفّ اللغة الفرنسية عن كونيتها المزعومة، المنسحبة في ركنها من العالم، لتصبح كلامَ مئاتِ الملايين من البشر من شتى الأصول، من أبناء يافث، وسام، وحام، ويأجوج ومأجوج، وأسلاف آخرين مجهولين”، و“ الفرنكوفونيون الذين نقبلهم هم كل الذين أبدوا استعدادا للبقاء أو المشاركة في لغتنا، أولئك الذين نحن أسيادهم بعد”، فالغاية إذن، هي فرض الهيمنة الاقتصادية عن طريق اللغة على الشعوب المغلوبة بالأساس، وليس أدل على ذلك من أن تدريس اللغة الفرنسية منذ قيام الإمبراطورية الكولونيالية الفرنسية صار إجباريا في كل المستعمرات، وكانت تدرّس لأطفال النخب وزعماء القبائل المحلية بصفة خاصة، ما أوجد نخبة حافظت بعد الاستقلال على اللغة الكولونيالية كلغة رسمية، لاسيما في البلدان الأفريقية.

الأيديولوجيا والفضاء الفرنكفوني

يرى الكثير من الخبراء أن استمرار حرص فرنسا على الفضاء الفرنكوفوني، لا حبّا في نشر الثقافة والحضارة وفكر الأنوار كما يشاع؛ بل ليظل هذا الفضاء سوقا لشركاتها ورجال أعمالها، تفرض استمراره كمجال حيوي لاقتصادها ولو بقوة السلاح، كما حصل في عدة بلدان أفريقية، فقد تدخلت فرنسا عسكريا 50 مرة خلال 50 عاما دول أفريقية مختلفة، ويلح منظرو الفرنكفونية على التمسك بهذا الفضاء، فقد غدا مرشّحا لنمو سكاني مهول في المستقبل القريب. ومن الطبيعي أن تظل الفرنسية، التي تواجه زحف الإنكليزية، هي اللغة المسيطرة. ألم يكن ريكلو يدعو إلى إقامة “أفريقيا فرنسية” يوحدّها نشرُ اللغة القومية؟

الرئيس الفرنسي الراحل “فرانسو ميتيران” يفصح عن مفهوم هذه الإيديولوجية، فيؤكد: “أن الفرنكفونية ليست هي اللغة الفرنسية فحسب. إننا إذا لم نتوصل إلى الاقتناع بأن الانتماء إلى العالم الفرانكفوني سياسيا واقتصاديا وثقافيا يمثل قيمة مضافة، فإننا سنكون قد فشلنا في العمل الذي بدأناه منذ عدة سنوات”.

الفرنكفونية عند ميتران، أي عند الجمهورية الفرنسية، ليست في اللغة الفرنسية؛ فاللغة لا تمثل الطاعة العمياء، إن المقصود من الفرنكفونية، كما يبدو واضحا من تفسير الرئيس الفرنسي الراحل، هو الانغماس في بحر الآخر سياسيا، اقتصاديا، ثقافيا، وهو ما يعني التبعية المطلقة وليست النسبية.

والواقع أن هذا القول يؤكده تصريح سابق لوزير الثقافة الفرنسي، أندريه مالرو، سنوات السبعينات، إذ يشير إلى أن “الفرنكوفونية، ليست مجرد لغة، إنها حضارة قادرة على ضمان مستقبل العالم”.

في ذات السياق، تنسب إلى الجنرال الفرنسي شارل ديغول، عبارة يقول فيها إن “اللغة الفرنسية أداة بديلة عن الحرب المتعارف عليها، بل إنها صنعت لفرنسا ما لم تصنعه الجيوش”.

انتقاد التوسع

يرى الكثير من العلماء أن ازدياد أعداد الدول الأعضاء التابعة للمنظمة الفرنكفونية، بشكل كبير بين عامي 1970م إلى عام 2018م، تم بعيدا عن نشاطات وأهداف المنظمة التي ذكرت سابقًا، وأدى ذلك إلى خلق حالة من التوتر والقلق المتزايد خصوصًا بعد الدراسة التي قام بها اللغويان رولاند بريتون ودانييل باجيني عام 1996م حيث أشارت هذه الدراسات إلى أن الامتدادات الغربية لهذه المنظمة قائمة على معايير سياسية ودبلوماسية، وعبر مؤسس جمعية الحقوق الفرنسية كزافييه ديناو أيضًا عن قلقه حول توسيع نطاق المنظمة لتشمل بلدان تهدد فعاليتها، ويضاف إلى ذلك بأن البعض من دول المنظمة تنتهك وتتجاهل حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

مصدر محمد أديب السلاوي، الفرنكفونية، موقع هيسبرس د. إدريس جنداري، الفرنكفونية) د. زهيدة درويش جبور، الفرنكفونية في لبنان والعالم العربي
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.