الفرنكفونية في العالم العربي

لماذا كان منطلق الاستعمار الثقافي مرتبطا – منذ البداية- باللغة الفرنسية، باعتبار أن اللغة هي صانعة الهوية، وبالتالي هي صانعة الشخصية الإنسانية؟ ولماذا تم خوض معركة شرسة ضد كل معالم التواجد اللغوي – ومن ثمة الثقافي- العربي؟

15
الأيام السورية؛ سلام محمد

يرتبط وجود الفرنكفونية في الوطن العربي بالمشروع الاستعماري الفرنسي في سوريا والمغرب العربي، كما في أفريقيا أيضا، وفي نظر العديد من الباحثين والخبراء، ستبقى هذه الإيديولوجية الاستعمارية حية في الوجود، ما دام في جعبة فرنسا بصيص من تطلع إلى مقاربة مستعمراتها القديمة بعين كولونيالية، لا ترى لتلك البلدان حقا في الاستقلال الوطني.

فُرض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، بضوء أخضر من عصبة الأمم المتحدة عام 1922، وذلك بادعاء المساعدة في إنشاء مؤسسات للدولة، بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية. وخلال فترة الانتداب هذه كانت الدولة الخاضعة للانتداب الفرنسي موحدة، تجمع سوريا ولبنان، وبعد انتهاء فترة الانتداب في أواخر أربعينيات القرن العشرين، نشأ كيانان مستقلان هما الجمهورية السورية والجمهورية اللبنانية.

وقد تداخلت مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، مكنت فرنسا في الأخير من بسط سيطرتها على جزء من المنطقة العربية، بادعاء إدخال الإصلاحات، ونقل المنطقة إلى العصر الحديث، لكن الهدف ، في الحقيقة، كان استعماريا صرفا، كما استمرت الهيمنة الاستعمارية الفرنسية، حتى حدود الستينيات من القرن العشرين، في بلدان المغرب العربي، حيث انسحبت فرنسا، لكن هذا الانسحاب لم يكن تاما، لأنه كان من جنس الاستقلال المشوه، إذ تمكنت فرنسا من الجمع، ما بين الانسحاب الشكلي والإبقاء على مصالحها الإستراتيجية في المنطقة، وذلك بالاعتماد على خدّامها الأوفياء من المستعمرين (بفتح الميم) الذين سيحملون راية الفرنكفونية عاليا.

أبعاد حضورها في الوطن العربي

إن ما يفسر هذا الحضور القوي للغة الفرنسية ضمن مناهج التدريس في مجموعة من الدول العربية، يرتبط في العمق بأبعاد إيديولوجية ومصلحية، من خلال الحضور القوي للوبي الفرانكفوني، الذي يتشكل من نخب ثقافية وسياسية واقتصادية، لا يهمها سوى الحفاظ على مصالحها الخاصة، في علاقتها بالمستعمر السابق، الذي نسجت معه شبكة من المصالح، الأمر الذي يحول اللغة لديها إلى إيديولوجيا، تتجاوز كل حدود المنطق.

أدى هذا التأطير وهذا الدعم السخي - في الحقيقة- دورا خطيرا، واستطاعت فرنسا أن تسوق للنموذج الاستعماري، من منظور استشراقي فج، يعتبر أن الحضارة الأوروبية الفرنسية من المنظور الفرانكفوني هي منتهى ما وصل إليه الإنسان.

ومن هذا المنظور الإيديولوجي الصرف، انبرت النخبة الفرانكفونية للدفاع عن الاستعمار الجديد، ولو أدى الأمر بأحد رواد التيار الفرانكفوني في لبنان، إلى محاولة تبرير الحملة الاستعمارية الوحشية، التي قادها نابليون على مصر، وفي هذا الصدد يقول “غسان تويني” سفير لبنان ووزيره السابق: “وأتذكر هنا على الخصوص فصلا ربما كان من أحلك الفصول وأغناها أيضا في تاريخ الحقبة التي تهمنا: وأقصد حملة نابليون على مصر. فهذه الحملة التي قلما تدرس من زاوية الحوار قد اكتسبت زخما وجوديا استمر بعد طي صفحة العنف وما صاحبه من القتل والدمار والاضطهاد، ليصبح مصدرا رائعا للاكتشافات المتبادلة، وبالتالي مصدرا لحوار بين الثقافات بأوسع معانيه، أي ذلك الحوار التي يتعدى نطاق التفكير النظري المجرد ليساهم في تغيير العادات والأفكار”.

إن الهدف الحقيقي – إذن- هو قلب التوازنات الثقافية والدينية، المرتبطة بالامتداد الحضاري العربي الإسلامي – بالإضافة إلى الاستغلال الاقتصادي- وفي المقابل زرع البذور الأولى لاستعمار ثقافي فرانكفوني، سيمتد ليعم كل منطقة الشام في المشرق العربي، كما سيعم منطقة المغرب العربي، عبر الحملة الاستعمارية على المغرب وتونس والجزائر، والتي اعتبرت في نظر الكثير من أشباه (تويني) حملة حضارية بامتياز، الهدف من ورائها تحقيق التواصل الحضاري، والاكتشافات المتبادلة.

دعم النخب الفرنكفونية

كان التوجه واضحا إلى دعم النخبة الثقافية، عبر توفير جميع الوسائل اللوجستية الداعمة للحضور الفرانكفوني.

وقد مر هذا الدعم من خلال ما كانت توفره – وما تزال- الوكالة الدولية للفرنكفونية، لمستعمرات فرنسا السابقة، سواء تعلق الأمر بإنتاج المناهج الدراسية، في علاقة بوزارات التربية والتعليم، أو تعلق الأمر بدعم الكتب الموجهة للشباب، وكذلك عبر الدعم الوفير في مجال النشر، وفي مجال المساعدة للنهوض بالصحافة والإنتاج السينمائي. وكلها أشكال متعددة لدعم الحضور الثقافي واللغوي الفرانكفوني في الدول والمجتمعات العربية.

وقد كان هذا الدعم يمر عبر مجموعة من المؤسسات، نذكر منها: “صندوق الاستثمار في مجال الصناعات الثقافية” و”صندوق المساعدة للنشر” و”صندوق دعم الصحافة المكتوبة لبلدان الجنوب” و”الصندوق الفرانكفوني للإنتاج المرئي والمسموع” إضافة إلى “الصندوق الفرانكفوني للطرق السريعة للمعلومات.

وقد أدى هذا التأطير وهذا الدعم السخي – في الحقيقة- دورا خطيرا، واستطاعت فرنسا أن تسوق للنموذج الاستعماري، من منظور استشراقي فج، يعتبر أن الحضارة الأوروبية (الفرنسية من المنظور الفرانكفوني) هي منتهى ما وصل إليه الإنسان، لذلك فلا بديل عن هذه الحضارة، لأن البديل هو حضارة (الشرق الرخيص)، كما روج المستشرقون وأتباعهم من الفرنكفونيين العرب.

جراحة ثقافية ولغوية

لم تكن فرنسا لتكتفي من مستعمراتها بنهب الثروات وجلب العمالة الرخيصة، وتأمين السوق للسلع الرأسمالية، وتوفير مواطئ قدم للجيوش البرية والبحرية والجوية، وقواعد بشرية تستخدم لأداء السخرة العسكرية في الجيش المحتل؛ بل تطلب أكثر من ذلك بكثير، إنجاز جراحة ثقافية ولغوية، فقد عملت فرنسا بحزم على نشر التعليم الفرنسي عن طريق “المدارس الحكومية الرسمية” خاصة بالمدن الرئيسية، وقد مثلت هذه المدارس البوابة الحقيقية التي دخلت اللغة الفرنسية منها بشكل مباشر؛ وهو ما أدى إلى تداعي النسيج الاجتماعي التقليدي، بمؤسساته ومفاهيمه الثقافية وإلى تدهور في مفاهيم اللغة العربية، كأداة يمكن من خلالها تمثل مظاهر الحداثة أو التعبير عنها، لذلك انصرفت الفرانكفونية بعناية إلى توفير شروط ديمومة سيطرتها في المستعمرات، حتى بعد اضطرارها إلى الجلاء عنها، فعملت بكفاءة عالية، وبجهد جهيد، من أجل الاستيلاء على العقل واللسان والوجدان.

اللغة وسيلة استثمار

كان منطلق الاستعمار الثقافي مرتبطا – منذ البداية- باللغة الفرنسية، باعتبار أن اللغة هي صانعة الهوية، وبالتالي هي صانعة الشخصية الإنسانية. وفي هذا الإطار تم خوض معركة شرسة ضد كل معالم التواجد اللغوي – ومن ثمة الثقافي- العربي، لأنه يشكل عائقا أساسيا أمام الهيمنة الثقافية واللغوية الاستعمارية، خصوصا وأن اللغة العربية في المغرب العربي، هي أكثر من لغة تواصل، إنها تحمل إرثا حضاريا عظيما، لا يمكن اختراقه ببساطة من طرف الاستعمار.

وقد كان الحبيب بورقيبة متحمساً لمفهوم اللغة المشتركة الجامعة للشعوب الناطقة بها، فكان اقتراحه عام 1965 بإنشاء كومنولث فرنسي يضم كل الشعوب التي تتكلم الفرنسية، وهي في الأغلب مستعمرات فرنسا.

في تونس التي تشكل نموذجا فرنكفونيا دالا، تم احتضان الفرنكفونية من طرف رئيس الدولة الخارجة للتو من الاستعمار (الحبيب بورقيبة). لذلك يحضر النموذج التو نسي – بخصوص المغرب العربي- في هذا السياق كنموذج دال على الوشائج التي أقامتها فرنسا مع النخب السياسية والثقافية المغاربية.

فليس خفيا ما قدمه الزعيم التونسي/ الفرانكفوني (الحبيب بورقيبة) من دعم للفرنكفونية في تونس وفي كل المغرب العربي، وذلك تحت غطاء وتوجيه وزارة الخارجية الفرنسية، التي قدمت دعما سخيا للزعيم التونسي، باعتباره الزعيم الفرانكفوني، القادر على حماية المصالح الفرنسية، في منطقة المغرب العربي.

وقد كان الحبيب بورقيبة متحمساً لمفهوم اللغة المشتركة الجامعة للشعوب الناطقة بها، فكان اقتراحه عام 1965 بإنشاء “كومنولث فرنسي يضم كل الشعوب التي تتكلم الفرنسية، وهي في الأغلب مستعمرات فرنسا.

وقد كان بورقيبة يصرح بكل هذا في حواراته، ويفتخر أنه الأب الروحي للفرنكفونية في المغرب العربي، لا يقل قيمة عن الرئيس السنغالي سنغور. يقول في حوار له: “إن مستقبلنا مرتبط بمستقبل الغرب عموماً ومتضامن مع مستقبل فرنسا خاصة… ونحن نتجه اليوم من جديد إلى فرنسا. إنني أنا الذي تزعمت الحركة المنادية بالفرنكفونية، فالرابطة اللغوية التي تجمع بين مختلف الأقطار الإفريقية أمتن من روابط المناخ أو الجغرافيا”.

وصرح في مقابلة صحفية: “إننا لا نستطيع الإعراض عن الغرب، إننا متضامنون مع الغرب بأكمله، متضامنون بصورة أخص مع فرنسا. وتدعيم الروابط مع فرنسا وبصورة أخص في ميدان الثقافة، وفكرة بعث رابطة للشعوب الفرنكفونية تولدت هنا”.

بعد عقود، وعند وصوله إلى نقطة “الفرنكوفونية” التي كانت نقطة محورية في خطابه أمام النواب التونسيين، في زيارته الأولى لتونس، بدا الرئيس الفرنسي ماكرون متحمسًا طامحًا لنصر جديد، حيث يعتبر مستقبل الفرنكوفونية إحدى أولويات السياسة الفرنسية الجديدة.

في هذا الخطاب قال ماكرون: “الفرنكوفونية ليست مشروعًا فرنسيًا، فتونس من البلدان التي حملت الفرنكوفونية، فهي ملك لهذا البلد”، وتابع قائلاً: “الفرنكوفونية ليست مشروعًا قديمًا، بل مشروع مستقبلي، فتحدث اللغة الفرنسية يعد فرصة حقيقية، على المستويات اللغوية والاقتصادية والثقافية”.

وأضاف ماكرون “أتمنى أن تحيا الفرنكوفونية في بلادكم”، مشيرًا إلى أن الفرنكوفونية ستساعد التونسيين والتونسيات على النجاح في عدة مجالات وفي دول مختلفة، وقال أيضًا “أرغب في إعطاء دفعة للفرنكوفونية في تونس”.

برنامج شهر الفرنكوفونية للعام 2020 في لبنان( النهار)

المصادر: (محمد أديب السلاوي، الفرنكفونية، موقع هيسبرس) (د. زهيدة درويش جبور، الفرنكفونية في لبنان والعالم العربي) (د. عثمان سعدي، التعريب في المغرب العربي في مواجهة الفرنكفونية) (عبد العالي الودغيري، الفرانكفونية والسياسة اللغوية والتعليمية الفرنسية بالمغرب) (د. إدريس جنداري، الفرنكفونية) (د. عباس أرحيلة، الفرنكفونية والتعريب)

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.