الفردية و التنوع تكامل لا تضاد

بقلم: د.سميرة مبيض (باحثة و أكاديمية)سميرة مبيض
تعطينا الطبيعة، أمثلة كثيرة عن ارتباط التنوع مع الحياة، و يظهر واضحاً أن التنوع أكثر توافقاً مع الاستمرارية من الأحادية و هي ما يعتمد على النوع الواحد، فعلى سبيل المثال يؤدي تكاثر أي نوع ضمن حوض وراثي ضيق محدود ضمن مجموعة صغيرة و ضمن حدود مكانية ضيقة الى ضعف متوارث في الأجيال الجديدة بسبب غياب التنوع الجيني و بسبب تمكّن أمراض متوارثة قد تؤدي الى انقراض النوع تماماً.
و اذا وسعنا دائرة الرؤية نجد أن تمايز الأنواع فيما بينها يخلق تمايزاً في وظائفها ضمن النظام البيئي بشكل متكامل يسمح باستمرارية الحياة و في نطاق أوسع نجد أن النظم البيئية المعقدة أي التي تتألف من تشابك بين عدد كبير من الأنواع أقدر على مواجهة أي تغيرات في المحيط من النظم البيئية البسيطة التي يسيطر بها نوع واحد، فالأنواع التي تتواجد ضمن نظام بيئي معقد تعتمد على تنوع الوظائف التي يختص بها كل نوع لضمان استمرارية الحياة ضمن هذا النظام في حين أنها تتلاشى في حال وجودها كنوع واحد مقابل نفس التغير في المحيط.
بإمكاننا اختصار ذلك بأن قوانين الحياة تؤكد أن التنوع قوة لا يستهان بها في استمرارية كلاً من الفرد والمجتمع، وبالتالي فان القدرة على قبول التنوع والتأقلم ضمنه هي قدرة تطورية مرتبطة بالاستمرارية والوجودية.
يعد الانسان جزءاً من هذا النظام الطبيعي، رغم أننا نتناسى ذلك كثيراً بعد تمدن نمط حياة البشر وانفصالهم عن الطبيعة بشكل كبير لكن تطور الانسان اعتمد على تفاعلاته المستمرة مع بيئته عبر ملايين السنين، ولن ينعزل تطوره المستقبلي عن هذه القواعد التي رسمت الخطوط العريضة للاصطفاء الطبيعي عبر الزمن.طائفية
من أهم ما يميز الانسان عن بقية الكائنات الحية هو امتلاكه للتنوع الاجتماعي و الثقافي إضافة للتنوع البيولوجي، فهو بمقدراته الادراكية و العقلانية يمتلك ثقافات متعددة تحدد له هوية فردية و هوية ثقافية لا تعبر عن نفسها الا بوجود المجتمع المحيط و الذي ان لم يكن متنوعاً فلا أهمية لأي هوية فيه، فلا يتكامل المجتمع الا بتقاطع الهويات التي يربطها فضاء مكاني واحد.
هذا التنوع الاجتماعي الذي يعتبر مصدر غنى حين يكون حامله الأساسي هو المواطنة التي تُكسب الفرد هوية تربطه بالآخرين و تضمن للجميع الامتثال لقانون حياة عامة واحد و التي تُحول هذا الحيز المكاني الى الوطن يدافع عن وجوده الجميع كمصدر استمراريتهم و بقاؤهم. يصبح نفس المفهوم مصدر صراع حين يقوده الجهل والتعصب فتتحول النعمة الى نقمة باتباع أصحاب الأفق الضيقة.
لا يُستثنى الانسان من القواعد التي فرضتها الحياة فالكائن القادر على الانفتاح والتأقلم مع التنوع هو الأكثر تطوراً والنظم المتنوعة هي النظم الأكفأ، مقابل الديناميكية المستمرة لكل ما هو حي، فأي مجتمع يسوده التعصب سيخسر افراده و أرضه و ازدهاره و كل فرد سيرفض الآخر و ينكفأ على ذاته ستنحدُّ مقدراته من الاستفادة من الحياة، لكن ميزة الانسان أنه يتعلم و قد تكون الطبيعة هنا أفضل من يلقن البشر درساً في ارتباط التنوع بالحياة و بأن رميمها فقط هو من يفتقد للتنوع.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.