الفرانكفونية في العالم العربي.. خيار ثقافي استعماري

هل خلقت فرنسا من خلال التحويرات الجذرية التي أدخلتها على بنية المجتمعات المغاربية نسيجا من النشاط الاقتصادي والثقافي، أصبحت له قاعدة اجتماعية محلية، واستطاع أن يتمثل جوانب من المشروع الفرنسي الذي كان انتشار اللغة الفرنسية من أبرز وسائله وأهدافه الإستراتيجية؟

20
الأيام السورية؛ سلام محمد

نجحت فرنسا بهذا الخيار الثقافي الاستعماري، في مسح الشخصية الثقافية واللغوية للمجتمعات الإفريقية التي استعمرتها، ويكاد لا يوجد اليوم مجتمع إفريقي باستثناء المغرب العربي، لا تمثل اللغة الفرنسية لغته الوطنية الجامعة، ومع أن فرنسا فشلت في وأد اللغة العربية أو إخراجها من الميدان في بلدان المغرب العربي، كما فعلت بنجاح في سائر مستعمراتها الإفريقية، إلا أنه سيكون من باب المكابرة الوطنية الجوفاء الادعاء بأنها لم تحرز نجاحات هائلة في مجال تحقيق هدف الاغتصاب الثقافي واللغوي في بلداننا، والشواهد على ذلك اليوم وافرة، يكفي أن لسان فرنسا ما زال حتى الآن لسان الإدارة في هذه البلدان، ولسان التعليم فيها من الطفولة حتى الكهولة، والرأسمال الأمثل لتنمية الموقع الاجتماعي”.

لوبي فرانكفوني في المغرب العربي

من خلال التحويرات الجذرية التي أدخلتها فرنسا على بنية المجتمعات المغاربية، خلقت نسيجا من النشاط الاقتصادي والثقافي، أصبحت له قاعدة اجتماعية محلية استمرت في التوسع، واستطاع أن يتمثل عدة جوانب من المشروع الفرنسي الذي كان انتشار اللغة الفرنسية من أبرز وسائله وأهدافه الإستراتيجية.

ونظرا للحضور القوي للوبي الفرانكفوني في المغرب، والذي يمتلك نفوذا اقتصاديا ثقافيا/ تربويا قويا، أصبحت اللغة العربية تواجه تحديات جمة، في ممارسة حقها كلغة رسمية أولى للمغرب كدولة وشعب.

ويرتبط هذا اللوبي، الذي يتشكل من مغاربة وفرنسيين، بشبكة من المصالح مع فرنسا تمكنه من بسط سيطرته على قطاعات واسعة في المغرب، تتجاوز الاقتصاد إلى الثقافة والتعليم والإعلام… وتشكل قوة سياسية تدافع عن مصالحها من خلال التأثير على القرار السياسي، وتوجيهه في الاتجاه الذي يخدم مصالحها.

سيكون من باب المكابرة الوطنية الجوفاء الادعاء بأن فرنسا لم تحرز نجاحات هائلة في مجال تحقيق هدف الاغتصاب الثقافي واللغوي في بلداننا، والشواهد على ذلك اليوم وافرة، يكفي أن لسان فرنسا ما زال حتى الآن لسان الإدارة في هذه البلدان.

والنتيجة كانت ولا تزال هي اتساع استعمال اللغة الفرنسية اتساعا ملحوظا على حساب اللغة العربية، في التعليم والإدارة كما في المعاملات التجارية والصناعية والخدماتية والثقافية اليومية.

أما في الجزائر فقد عانى الجزائريون طيلة مئة وثلاثين عاماً من احتلال فعلي لأرضهم مارس خلاله المستعمر الفرنسي محاولات كثيرة لسلبهم هويتهم الثقافية ولطمس معالم شخصيتهم الوطنية، ولا يسهم الواقع السياسي المعاصر في الجزائر في حلّ مشكلة العلاقة مع اللغة الفرنسية، بل على العكس يبرز كعامل في تفاقمها. ففرنسا متهمة في نظر فريق من الجزائريين بتغذية النعرات الإثنية وبمحاولة تمزيق الجزائر التي وحدها بين دول المغرب العربي ترفض الانتماء الى مجموعة الدول الفرنكفونية.

لبنان والعلاقة المنسجمة

يعود تاريخ اللغة الفرنسية في لبنان الى القرن الثامن عشر حيث بدأ انتشار مدارس الإرساليات الأجنبية في بيروت والجبل خصوصاً. وقد ساهمت هذه المدارس في اعداد نخبة ثقافية كان لها أن تلعب دورا كبيرا على الساحة السياسية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. في هذه الفترة كانت الامبراطورية العثمانية قد بدأت بالتفكك بينما الغرب ينتظر الفرصة المؤاتية لينقض على “الجسم المريض” كما هو معروف. وقد انتبهت الى هذه الحقيقة نخبة من المثقفين اللبنانيين الذين استقروا في فرنسا هربا من الحكم العثماني فراحوا ينادون بالاستقلال عن الدولة العثمانية ويطلبون الدعم والمساعدة من فرنسا “حامية الحريات” ووريثة عصر الأنوار. في عداد هذه النخبة كتاب وشعراء احتفظوا بمكانة بارزة في تاريخ الأدب اللبناني المكتوب بالفرنسية.

إذا كانت علاقة اللبنانيين باللغة الفرنسية بشكل عام تتسم بالانسجام بحيث تشكل هذه اللغة وما تختزنه من فكر وثقافة ورؤى للعالم رافداً للهوية الثقافية، فإن الأمر مختلف في المغرب العربي وفي الجزائر على وجه الخصوص. وذلك يعود بالطبع لأسباب تاريخية. فالوجود الفرنسي في لبنان كان مؤقتاً، ولم تكن فرنسا في نظر عدد كبير من اللبنانيين دولة محتلة، بل إن القمة التاسعة للفرنكفونية، وقد عُقدت في لبنان العام 2002، حيث كان لبنان حينها أول بلد عربي يستضيف قمة هذه المنظمة.

ضربة قاسية في مصر

دخلت اللغة الفرنسية إلى مصر، مع حملة بونابرت عام 1798. وقد كان لهذه الحملة إضافة الى نتائجها السياسية والعسكرية انعكاسات ثقافية واجتماعية مهمة منها تشكل نخبة ثقافية أسهمت فيما بعد في إطلاق حركة النهضة العربية.

إذا كانت تونس بورقيبة تعتبر منارة للفرنكفونية في منطقة المغرب العربي ومصر، فإن الاختراق الفرانكفوني لم يتوقف عند الحدود التونسية، بل عم كل دول المغرب العربي - باستثناء ليبيا- وذلك رغم بعض الفوارق بين هذه الأقطار.

وقد أصبحت اللغة الفرنسية تحت حكم محمد علي باشا منذ أوائل القرن التاسع عشر لغة المجتمع الراقي ولغة الأعمال والإدارة وكانت تعلم في المدارس الفرنسية التي انتشرت في القاهرة والاسكندرية والاسماعيلية والتي كان لها دوراً كبيراً في اعداد النخبة الثقافية، وقد عرفت مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين حركة ثقافية ناشطة باللغة الفرنسية حيث بلغ عدد الكتاب الفرنكفونيون فيها في تلك الفترة 300 كاتب في شتى المجالات الفكرية والأدبية والاقتصادية والسياسية.

وقد بلغ النشاط الأدبي الفرنكفوني أوجه بين 1920 و 1952. لكن قيام الثورة سنة 1952 وجه ضربة قاسية لهذه اللغة المرتبطة بالنظام القديم فانطفأ نجم الفرنكفونية في مصر حيث أُممت المدارس الفرنسية بعد أزمة قناة السويس، وتقلص تدريجياً دور اللغة الفرنسية بعد أن عُرّبت المناهج، إلا أن العقدين الأخيرين من القرن العشرين شهدا تحولاً في السياسة الثقافية والتعليمية في مصر حيث أنشأت في الإسكندرية الجامعة الفرنكفونية وبدأت اللغة الفرنسية تعود تدريجياً الى مناهج التعليم المدرسي، ونشطت الحركة في أقسام اللغة الفرنسية وآدابها في جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية.

يتضح مما تقدم أن الحضور الفرنكفوني متفاوت بين دول العالم العربي وأنه قد خضع لتحولات كثيرة نسبة الى الحيز الذي احتلته اللغة الفرنسية عبر الفترات المتلاحقة في مجالات التعليم والانتاج الثقافي. لكن الفرنكفونية بمعناها الجديد تتجاوز مجرد استعمال اللغة الفرنسية؛ لتعبر عن قناعة راسخة بضرورة الحوار والتفاعل بين الثقافات المختلفة للشعوب التي تنطق بهذه اللغة؛ من أجل التوصل الى إقامة تعاون حقيقي فيما بينها.

اختراق المغرب العربي ومصر

إذا كانت تونس بورقيبة تعتبر (منارة) للفرنكفونية في منطقة المغرب العربي ومصر، فإن الاختراق الفرانكفوني لم يتوقف عند الحدود التونسية، بل عم كل دول المغرب العربي – باستثناء ليبيا- وذلك رغم بعض الفوارق بين هذه الأقطار، بحيث ساهمت الحركة الوطنية في المغرب، كما ساهمت حركة التحرير الوطني في الجزائر، وهما حركتان تختلفان عن النموذج التونسي البورقيبي، من حيث امتدادهما العربي والإسلامي، ساهمت الحركتان معا في الحد نسبيا من التجذر الفرانكفوني، على الأقل بُعيد الاستقلال.


المصادر: (محمد أديب السلاوي، الفرنكفونية، موقع هيسبرس) (د. زهيدة درويش جبور، الفرنكفونية في لبنان والعالم العربي) (د. عثمان سعدي، التعريب في المغرب العربي في مواجهة الفرنكفونية) (عبد العالي الودغيري، الفرانكفونية والسياسة اللغوية والتعليمية الفرنسية بالمغرب) (د. إدريس جنداري، الفرنكفونية) (د. عباس أرحيلة، الفرنكفونية والتعريب)

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.