الفراغ الدستوري وسفالة العسكرة

التفاهات التي تتفوه بها جميع السلطات في العالم بأنهم لا يتركون أماكنهم خوفاً على البلاد من أن تعيش فراغها الدستوري، هي الأشياء التي تعلّق عليها السلطة آمالها دائماً وأبداً في مجابهة المعارضة للسلطة.

60
الأيام السورية؛ علي الأعرج

في حدث تاريخي لإسبانيا، الأديب العالمي وبروفيسور المفارقات اللغوية، ميجيل دي أونامونو، عميد جامعة سلامنكا، أصدر بياناً مع مجموعة من الأساتذة، لدعم الجيش الوطني، عندما قام فرانكو وزملائه العسكريين وأطاحوا بالجمهورية؛ حينها ناقش أونامونو بعض أصدقائه المثقفين الرافضين للعسكرة، بأن دعمه جاء بسبب ممارسات الجمهورية الاقتصادية والسياسية في إسبانيا، رغم أن أونامونو كان للحظة الأخيرة داعماً للجمهورية عندما أطاحت بالملكيّة، وأن موقفه الداعم لحراك الجيش هو لتحسين أوضاع إسبانيا من التبعية.

بعد أشهر من الحرب الأهلية بين الجمهوريين (كنظام سياسي قائم) والعسكريين (كمؤسسة تابعة للدولة)، بدأ أونامونو يلاحظ الإعدامات دون محاكمة، والطغاة يسيطرون ويخنقون كل شيء ويقتلون أي شخص معارض، حينها فهم أونامونو ولو متأخراً قليلاً، أن الوطنية لا تتم من خلال القمع، فأطلق خطاباً تاريخياً في مؤتمر للعسكريين، أمام الفاشية الإسبانية وقادتها، للوحدة الوطنية وجوبهت أرائه حينها بجملة إسبانيا المشهورة بين العسكريين (يحيا الموت). بعد ذلك الخطاب، تم وضع الأديب تحت الإقامة الجبرية بحراسة مشددة ومات بعدها بشهرين.

حادثة أونامونو التاريخية توضح لنا بعض الأشياء المعاصرة، وبالتحديد عندما تنقلب مؤسسة تابعة للدولة على الدولة لتصبح دولة جديدة ولكن بشكل أسوأ لأنها ستكون دولة مافيا وعصابات.

إن أي مواطن يمتلك قليل من عقل، ويدعم انتفاضة عسكريين (مؤسسة وليس حراك شعبي) على نظام حكم (مهما كان ذلك الحكم سلبياً) هو في النتيجة يدعم انهيار البلاد وحكمها بالحديد والنار. وربما الأمثلة التاريخية كثيرة على هذا الشكل، ومنها جميع الثورات العربية التاريخية كانقلاب البعثيين في سوريا والعراق، أو انقلابات المغرب العربي كالجزائر وليبيا ومصر. ومع ذلك كانت تلك الانقلابات تحظى بقبول جماهيري أحمق.

بمعنى يجب علينا فهم مسألة بديهية أن المؤسسة العسكرية في أي محاولة لإسقاط سلطة دولة مهما كانت سلبية فهي تقود البلاد للخراب، وعليه لا يجب على الناس أن تدعم ذلك الحراك العسكري المؤسساتي.

بمعنى يجب علينا فهم مسألة بديهية أن المؤسسة العسكرية في أي محاولة لإسقاط سلطة دولة (مهما كانت سلبية) فهي تقود البلاد للخراب، وعليه لا يجب على الناس أن تدعم ذلك الحراك العسكري المؤسساتي.

بمثال تاريخي، عندما قام حافظ الأسد باستلام السلطة، كيف يمكن أن يخرج الناس ليهللوا له؟ ماذا كان يوجد في رؤوس أولئك الحمقى؟ كيف يمكن لهم الثقة برجل عسكري!.

الأمر نفسه هو ما جرى في مصر بانقلاب السيسي. رغم أن نظام الإخوان سيء، لكن لمجرد الانقلاب كان الأحرى بالشعب أن يسقطوه مباشرة دون انتظار أي شيء ليفعله، إسقاط الإخوان والعسكر، انتظارهم هو ما جعل مصر على ما هي عليه اليوم، حتى وإن روّج بعض دعاة المحللين السياسيين من الخوف لبقاء البلاد بفراغ دستوري.

إن فكرة قبول المجتمع بسلطة من أجل عدم الفراغ الدستوري هو أسفل شيء يمكن لعاقل ترويجه. نفس الأمر هو بعدم تحرّك دول العالم اليوم اتجاه قضية سوريا. عدم إسقاط النظام من دول العالم الرافضة لدموية النظام السوري لأنهم، بحسب منظورهم، لا يجدون بديلاً مناسباً للنظام، وعليه عدم وجود البديل مع إسقاط النظام سيخلق فراغاً دستورياً!. أي حماقة يصدقها البشر تلك!.

إن دعم إسقاط أي ديكتاتورية هو هدف إنساني وواجب على كل شخص ودولة حتى وإن لم يتم خلق بديل. حالة الفراغ ستنتج بديلاً عاجلاً أم آجلاً، فموضوع تمسّك البشر بضرورة وجود سلطة هو أغبى شيء يمكن لنا التفوّه به، ويمكن للناس أن يقولوه دائماً.

لا أهمية للبديل (كنظام سياسي كامل) أمام أولوية الخلاص من السلطة الدموية.

إن دعم إسقاط أي ديكتاتورية هو هدف إنساني وواجب على كل شخص ودولة حتى وإن لم يتم خلق بديل. حالة الفراغ ستنتج بديلاً عاجلاً أم آجلاً، فموضوع تمسّك البشر بضرورة وجود سلطة هو أغبى شيء يمكن لنا التفوّه به، ويمكن للناس أن يقولوه دائماً.

التفاهات التي تتفوه بها جميع السلطات في العالم بأنهم لا يتركون أماكنهم خوفاً على البلاد من أن تعيش فراغها الدستوري، هي الأشياء التي تعلّق عليها السلطة آمالها دائماً وأبداً في مجابهة المعارضة للسلطة.

الشعب بطبيعة الحال لا يهتم كثيراً بالفراغ الدستوري، لأن الدولة أساساً لا معنى لها سوى استعباد الناس، إنها الشكل الذي تُفرِز الفروقات بين الأثرياء والمعدمين، وهي من تُخضع البشر لقوانين لم نخترها إنما وُجِدت دون إذن منا، فهي إذاً لا تعنينا كشعب.

كل الانقلابات العسكرية في العالم تنطلق من موضوع حماية الدستور من الفراغ، ليخلقوا سلطات مافياوية وقمعية، وكل شخص يدعم انقلاب مؤسسة عسكرية يجب قتله قطعاً، لأنه الجوهر في خلق البؤس المجتمعي.

قد يبدو الطرح متطرفاً قليلاً، في مسألة قتل داعم انقلاب المؤسسة العسكرية، لكن المطالبة بقتله (بعيداً عن حماقة بعض المتفلسفين الإنسانيين) هو أولوية لأنه ببساطة عندما يصل للسلطة فهو قاتلك لا محال. المسألة ليست شريعة غاب بطبيعة الحال، لكنها فهم عميق أن العسكر يجب إخضاعهم دائماً وأبداً لمهمة واحدة أنهم لا شان لهم في الدولة، وأي محاولة لانقلابهم يجب على الشعب بأسره أن يطيح بهم قبل أن يجلسوا على كراسيهم.

ونقولها دائماً وأبداً، العسكر سفلة، وكل من يدعم العسكر (في انقلاباتهم المؤسساتية) هو سافل بطبيعة الحال، والسافل لا يستحق هذه الحياة. وهذا أكثر شيء إنساني بديهي يمكن لنا فعله.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.