الغوطة الشرقية في مواجهة لسعة “السرطان”

لسعة “السرطان” المتألم المجنون، عبارةٌ يمكن أن تصف باختصار انفعال المجرم وتفسر تصرفاته وفي أقل تقدير تعطي دلالاتٍ على طبيعة تحركاته المستقبلية، باتجاه بعث رسائل تؤلم أو تجرح الخصم.

خاص بالأيام _ فرات الشامي

لا يمكن بحالٍ من الأحوال تبرير استخدام “الأسد” للعنف المفرط إلا من خلال قراءة سابقة لتحركات المعارضة السورية المسلحة؛ وهي وإن لم تكن مبرراً “إنسانياً وعسكرياً” لردة فعله، لكنها مؤشرٌ سريع على مدى الانهيار الأخلاقي في تركيبته، وعقلية حلفائه.

مؤخراً تشير المجزرة التي راح ضحيتها عشرات المدنيين في الغوطة الشرقية إلى ذاك الارتباط بينها وبين تقدم فصيل “أحرار الشام” الاستراتيجي في محيط العاصمة دمشق يوم الخميس 16 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، بعد سيطرته على أجزاء من ثكنة “إدارة المركبات” في مدينة حرستا، مما يعني التمهيد للسيطرة بشكلٍ كاملٍ عليها. حيث تعد أكبر ثكنة عسكرية لقوات النظام السوري، إضافةً لكونها تضم مركز عمليات قوات الأسد ضد مسلحي المعارضة في الغوطة الشرقية، مع إشرافها على ثلاث مدن وبلدات رئيسية مهمة في الغوطة وهي “حرستا، عربين، مديرا”؛ أحد معاقل الفصائل التالية: “حركة أحرار الشام-فيلق الرحمن-فجر الأمة”. كما تفصل إدارة المركبات مدن الغوطة الشرقية عن المتحلق الجنوبي، وهو جزء من الطريق الدولي الواصل بين دمشق وحمص، الممتد إلى المنطقة الفاصلة بين حي جوبر ومدينة عين ترما، إضافة لكونها تفصل مدينة حرستا الشرقية عن جزئها الغربي الواقع في أطراف مدينة دمشق.

المتابع لمثل تلك التحركات يلحظ غالباً أنها تقابل باستماته من طرف عناصر النظام، يتبع ذلك تصعيدٌ عسكري عنيف ضد المدنيين.

«كيف يجلس صاحب الحق مع الإرهابي على طاولةٍ واحدة في “أستانة”، ومن ثم يعاود نقض الاتفاق المبرم معه؟!»

تعددت الأسباب والموت واحد… كما هو الحال بالنسبة للمتهم الواحد، مشهدٌ متكررٌ في الملف السوري، بتوقيع “الأسد” وتبرير حلفائه، مذيلاً بصمتٍ مثيرٍ للريبة من طرف المجتمع الدولي.

وما بين قتلٍ بسلاح التجويع والحصار، يصحو مدنيو الغوطة الشرقية المتاخمة للعاصمة السورية دمشق على رائحة موتٍ من نكهةٍ أخرى، يبدو أنهم اعتادوا عليها، كما اعتدنا في الإعلام أن نبحث في خلفياتها وتداعياتها المستقبلية. بالمحصلة؛ لم نصل إلا لتدوين أرقام من قتلوا، ولم يتمكن المدنيون إلا من إحصاء ودفن قتلاهم.

على طاولة المفاوضات جلس من وصفوا بـ”الإرهابيين” إلى جانب ممثلين عن “النظام السوري” برعاية من “روسيا”، وتم التوصل إلى ما يسمى “مناطق خفض التصعيد” التي ضمت إليها “أرض الغوطة الشرقية”.

إلا أنّ تصعيد نظام الأسد من الهجمات العسكرية على تلك المنطقة بمشاركة طيران حليفه “الروسي”، وبحجة تدمير مواقع لـ”الإرهابيين” يفتح الباب على تساؤلٍ يطرح مجدداً… «كيف يجلس صاحب الحق مع الإرهابي على طاولةٍ واحدة في “أستانة”، ومن ثم يعاود نقض الاتفاق المبرم معه؟!»… سؤالٌ ملغومٌ ذو وجهين، يستحق القراءة.

بالمحصلة؛ إن أي اتفاق مع “القتلة” عبارة عن “حبرٍ كتب على ورق”، وأنّ لغة الحوار الوحيدة التي يمتلكها المحتل وأذنابه هي “الموت”، ومهما ابتعد “الكيماوي” عن سماء الغوطة وأنوف أهلها، فإن مئات الآلاف من المدنيين اليوم لازالوا تحت رحمة حصارٍ جائر، يشير بما لا يدعو للشك أن “الموت واحد، مهما تعددت الأسباب”.

أما الكلام عن صحوة في ضمير المجتمع الدولي، فلن يخرج مستقبلاً عن كونه “فقاعة” مالم يترجم فعلياً على الأرض، وتتم الموافقة على فتح تحقيق جنائي لمحاسبة مسؤولي النظام في المحاكم الأوروبية، أو الدولية.

لسعة “السرطان” حالةٌ متكررة في المشهد السوري، ومعادلة يستخدمها المستميت على البقاء، تؤكد مجدداً أنه يحتضر، فيفقد ما تبقى من إنسانيته إن جاز المسمى.

 

 

مصدر العربي الجديد العربي الجديد
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.