الغرب وجوهر مشكلة الشرق.. الإله كثقافة أخلاقية ومعرفية

فكرة التفقّه التاريخي في الدين الإسلامي وما أنتجته عبر مسيرته، لم يفعل شيئاً في عالمنا سوى زيادة التخلّف والجهل والتكتل إلى مرجعيات مشايخية لا معنى لهم، وبصورة أعمق هي نوع من الوثنيّة السلوكية في تأويل الله ونصه؛ كل بحسب ما يراه.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

تاريخياً كانت واحدة من المشكلات التي تجابه الأنظمة الاستعمارية التقليدية، هي الطبيعة الدينية للمجتمعات، ليس من المنظور الإسلامي فقط، بل فكرة الدين بحد ذاتها تقوم على تكاملية استقلالية وأحياناً هجومية لأنها ترى بنفسها الحقيقة المطلقة التي أخذت مشروعيتها النصية من فكرة الإله الذي اختار هذا الشعب برسالته؛ وهذه هي المعضلة التكرارية التقديسية التي لم تستطع تجاوز التصنيم والشخصنة أمام المعرفة والثقافة التراكمية.

يحمل الدين بالعام طابعاً نضالياً في جوهره، من فكرة الدفاع عن الأرض والعرض كصيغ الشرف الإنساني التقليدي، لكن في الدين الإسلامي الموضوع أكثر تشدداً وبحثاً عن مصنّمات تقديسية وإهمال المشروع الجوهري لفكرة وجود الدين بسبب الفقه الإسلامي، وخاصة في مرحلة نشوء المدارس الفكرية والفلسفية والتنوّع المذهبي والأهم التفقّه الذي وصل إلى مرحلة بأن أصبح لكل شخص امتلك من العلم الديني قليلاً وأخذ يشرّع ما يناسبه ويجد التوافقية بين النص السماوي أو السنّة النبوية وبين الواقع المتطور والتوقف عند المقدّس، وإيجاد هذه التوافقية دائماً وأبداً على مدار 1400 عام، خلق التفسّخ المعرفي لجوهر الدين، وأصبح كل 100 شخص في العالم الإسلامي لهم شيخهم وفتاواه.

فكرة التفقّه التاريخي في الدين الإسلامي وما أنتجته عبر مسيرته، لم يفعل شيئاً في عالمنا سوى زيادة التخلّف والجهل والتكتل إلى مرجعيات مشايخية لا معنى لهم، وبصورة أعمق هي نوع من الوثنيّة السلوكية في تأويل الله ونصه؛ كل بحسب ما يراه. بمعنى أدق يمكن القول إن كلّ ما لم يصدر عن الله دون أيّ تأويل للنص، يمكن تكفير الشخص الذي يسعى للتأويل بسهولة. الله يجب أن يكون هو القيمة الوحيدة بالنسبة للمتدين وكلّ ما عداه عبارة عن هراء أحمق.

هذه المقدمة لنستطيع شرح لماذا يجب تحطيم أي تفقّه تاريخي ومعاصر في الدين الإسلامي على نحو خاص؟

في الأحداث الأخيرة بعد تصريحات ماكرون الغبيّة بالفعل، وهياج العالم الإسلامي، استوقفتني فكرة تكرار الحدث الاستفزازي دائماً كلّ فترة وأخرى للعالم الإسلامي. رسّام دانماركي أساء للرسول، بعدها مجلة فرنسية أساءت للرسول، والآن ماكرون أساء للرسول.

ما فعله متفقهو الأديان عبر التاريخ، هو أنهم جرّدوا المعنى الروحي للدين الصادر عن الله كنص، ووضعوه في موقع المجابهة السلوكية لكل من يمس المقدسات الدنيوية.

النقاط المتلاقية هي أنه في آخر 15 سنة من تلك الأحداث، أولاً: لا يمكن استفزاز المسلمين إلا بالرسول محمد، وهذه نقطة سأعود إليها؛ والأمر الآخر ظهور غيورين على الرسول ليقوموا بأعمال قتل وتفجير بحق مدنيين يعيشون في تلك الدول.

نقطة المدافعين عن الرسول غير مفهومة بتاتاً دينياً، فبحسب بعض المتفقّهين كابن تيمية، فإنّ الذي يكفر بالله يُستتاب والذي يكفر بالرسول يُقتل، لكن لحظة، هل الرسول أهم من الله؟ أعزائي المتدينين، دينياً، الرسول يشفع لكن الله يغفر، هل تدركون معنى ذلك؟! إن عملية تفضيلكم للرسول على الله هي بحد ذاتها آلية تكفر بالله بشكل غير مباشر.

ما فعله متفقهو الأديان عبر التاريخ، هو أنهم جرّدوا المعنى الروحي للدين الصادر عن الله كنص، ووضعوه في موقع المجابهة السلوكية لكل من يمس المقدسات الدنيوية، ونقصد بالمقدسات الدنيوية ذلك المعنى الذي اختزله أبو بكر بذكاء قلّ مثيله: “من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”. هذا هو المعنى الدنيوي في التقديس الذي يخضع له العالم الإسلامي اليوم ككفر غير واعٍ لفكرة أنّهم قد رفعوا الرسول الشفيع على الله الغفور الرحيم، فأصبح ابن تيمية وبعض الحمقى من المشايخ والمتفقّهين أهمّ من “أبو بكر”، صديق الرسول وأوّل من آمن به. هل هناك ما هو أكثر وضاعة وسفالة وانحطاط وتخلفاً من ذلك؟

العالم الإسلامي يندفع بهياج للدفاع عن الشفيع لكنهم نسوا كلياً الله الغفور، تركوا الجوهر الروحي للألوهية، وركضوا وراء الأطراف التفقهيّة التدميرية لكل معنى مسالم في الدين. إنهم يحقنون كلّ معنى للقتل تحت حجّة أن الغرب يريد القضاء على الإسلام. اعذروني أعزائي المتدينين إن قلت لكم بأن نظرية الغرب يريد القضاء على الإسلام هي أغبى نظرية يمكن أن يتبناها عاقل، ليس من مصلحة الغرب أبداً القضاء على الإسلام.

إذا أردنا أن نتحدث قليلاً بعقلية المؤامرة، فما رأيكم بهذه النظرية المؤامرتية الآتية: من مصلحة الغرب أن يُبقي على الإسلام وفكره التفقّهي، إنه يريد أن يقضي على الجانب الفلسفي والثقافي للتاريخ الإسلامي، القضاء على تاريخ أعلامه ومفكريه وفلاسفته وليس القضاء على متفقّهيه، لأنّ التفقّه الإسلامي هو الوحيد الذي يُشرّع للغرب بقاء سيطرته وحروبه على هذه المنطقة تحت اسم الإرهاب، إنه يُغذّي التفقّه ويدعمه ثم يخرج ليستفز المجتمعات بتصريحات مثل تصريحات ماكرون الأخيرة ليقوم هؤلاء الحمقى المليئين بالوعي التفقّهي لارتكاب مجازر بحق مدنيين ويصبح للغرب الحجة بالبقاء والسيطرة على المنطقة.

وبغض النظر عن النظرية المؤامرتية، بعد تصريحات ماكرون، بدأت عمليات قتل المدنيين في تلك الدول بحجة الإسلام والدفاع عن الشفيع وكأنّ الشفيع بحاجة لمحامي دفاع عنه!.

المشكلة الأكبر لو كان الدفاع يقوم على مناظرة عقلية لتوضيح مسالمة الدين الإسلامي ورموزه دون قتل أو تشنج معرفي أو عصبيّة قبلية بنكهة قومية من البعض، لكانت رسالة الدفاع عن الإسلام أقوى، لكن ثقافة التفقّه الغبيّة التي تُبعد كل المتدينين عن جوهر الإله الغفور وأزليته وعدالته الأبدية، ستظل تنتج هذا المعنى التدميري لفكرة الإسلام وهو ما سيؤثر قطعاً على نهايته ليس بالمعنى السلوكي بل بالمعنى الثقافي والعقلي، لأنّ وجوده السلوكي العنفي من وراء بعض المتفقّهين هو أكثر أهمية بالنسبة للدول التي لديها مبررات للبقاء في تصارع مع تلك الدول التي ترعى فكرة الدين الفقهي.

إن كان هناك بعض العقلانية والمنطق لدى الناس الذين يهتاجون دون تفكير، في قواعد المجتمع المتدين، فيجب حرق كل متفقهي الأديان من التاريخ الإسلامي، إن عملية التمسّك بهم تعني بقاء تلك الدول ذات الطابع الديني في حيز من الجهل والتخلف الاجتماعي والعنصرية والقبليّة وعدم التطور أبداً.

تغذية الوعي الديني بالتفقّه يعني احتمالية وجود حاضنة اجتماعية دائماً لكل سلوك متطرف وعنفي، ليس ضد الغرب بل ضد أبناء البلد أنفسهم إن اختلفوا قليلاً عن نظريات الفقهاء السياسيين في التاريخ.

تغذية الوعي الديني بالتفقّه يعني احتمالية وجود حاضنة اجتماعية دائماً لكل سلوك متطرف وعنفي، ليس ضد الغرب بل ضد أبناء البلد أنفسهم إن اختلفوا قليلاً عن نظريات الفقهاء السياسيين في التاريخ.

تذكروا دائماً، الرسول ليس بحاجة لمحامي دفاع، والله هو الأولوية بالنسبة للمؤمن، واستفزاز الغرب دائماً وأبداً بقصة الرسول كل فترة وثانية لن تنتهي إلا بالقضاء على الإسلام الروحي والعقلي، والإبقاء على الإسلام العنفي السلوكي الناتج عن التفقّه الذي هو أصلاً ابن مرحلة سياسية تاريخية للسلطة التي وُجِدت عبر تطور السلطة الإسلامية، ليكون هناك مبرر دائم للحروب على هذه الشعوب البائسة وإبقائها في حيز الصراع للبحث عن أبدية الجنّة بأسوأ أسلوب.

إن كانت الجنة تقوم على قتل الآخر لمجرد الهياج ولا تقوم على عقلانية النقاش ومناهضة فكرة الآخر وتدميره عقلياً وحوارياً، فلا نريد هذه الجنة، لأنّ الإنسان هو الأولوية، وخاصة إن كان شخصاً لا دخل له في الإساءة: “ولا تزر وازرة ورز أخرى”. التأويل التفقّهي والانتقائية لديهم لوضع مشروعهم السياسي تاريخياً باسم شريعة الله، هو أسوأ شيء حصل لنا، وسيبقى أسوأ شيء يحصل لنا إن لم يتم نفي كل التفقّه التاريخي من عقول البشر في قاعدة المجتمع.

بعد فترة سيظهر شخص آخر يُسيء للرسول ويخرج بعض الحمقى ويرتكبون مجازر بحق أبرياء لا دخل لهم؛ وتستمر قصة الحرب على الإرهاب كحجة لا تنتهي. لو أنهى البشر في الشرق قاعدة الفقه فلا معنى لحرب الغرب على الإرهاب، إننا بتمسكنا لبعض الفقهاء الحمقى ونظرياتهم نرسّخ قاعدة التخلف والعنف ونبتذل أنفسنا بالابتعاد كلياً عن فكرة الإسلام العقلاني والروحاني وحتى نفي الإله كمعنى وحضور ثقافي وفلسفي مقابل المقدّس الدنيوي كحالة تصنيمية.
الموضوع بحاجة لقليل من عقلانية لا أكثر ولا أقل.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.