الغربة ليست اختياراً، حيث تتلاشى الخيارات

100
الأيام السورية؛ كفاح زعتري

كانت الأجمل، هي الأمان والدفء والمحبة، الطفولة الأولى حيث كل شيء جميل ومحبب، ثم كانت المدينة الحديثة على ضفة الفرات، حيث الأفق الممتد الذي يصل النهر بالسماء، هنا الفرح وصخب الطفولة.

مشهد كان غريباً عكر صفاء الصورة، كانت ذكرى تدشين سد الفرات حيث احتشد الكثير من الناس ليشهدوا الحفل، وكان الشرطة تفرقهم بالعصي الطويلة والأحزمة، كان المشهد صادما. هو الأول بالتعرف على سورية الأسد، تتوالى المشاهد من حرب تشرين، التي لم أفهم وقتها ولفترة طويلة لما تدعى (حرب تشرين التحريرية) ونحن خسرنا أجزاء أخرى من بلدنا!!

ثم طلائع البعث وتدجين الطفولة، تليها شبيبة الثورة، بما تعنية من أدلجة وعسكرة الأجيال، مرورا بالمسيرات العفوية وأيام العمل الطوعي ومكاسب المظليين… وتستمر. بينما تتزايد الخيبات كانت تتباعد المسافة العاطفية ببني وبين ما كان وطن
لم تعد تعنيني سورية لعقود مضت، لا أشعر بالانتماء وليس لدي إحساس المواطنة. شهدت كيف اغتصبت العروس الفينيقة، وتحولت إلى سبية وأبنائها إلى عبيد عند صانع التشرينين.

باتت سورية سجنا كبيرا يفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية. البعض يستخدم عبارة (ذل فلسك ولا تذل نفسك) ويرى بأنه تجنب الذل، لكن؛ أن تنفق نصف ثروتك في سبيل الحفاظ على النصف الآخر أليس ذلاً بحد ذاته، ومن لا يملك المال، هل من العدل أن يمضي عمره ذليلاً؟؟

الوجوم والخوف هي سمة غالبة على وجوه السوريين؛ التحدي يعني أن تذهب خلف الشمس، صوت مكابح سيارة في وقت متأخر من الليل كفيل بإيقاظ النائم مذعوراً، هل أتوا؟ حالة ترقب وتوجس دائمة، في الشارع، العمل، شركات النقل، المطارات. الخوف هو شريك حياة كل سورية وسوري.

مع أول تظاهرة برق أمل خفي، أمل ممزوج بالرهبة والترقب، المظاهرة الثانية أشعلت الأمل ليضيء حياة كاملة، نبض مختلف يعزف أجمل لحن حب لسوريتنا، أيقظ محبة دفينة، خيل أنها غير موجودة. هل نستعيد سوريتنا وهل سننعم بجبالها وسهولها وشواطئها، بخيراتها وهوائها ومائها.

أحلام ملونة رسمناها لأولادنا، تجاوز السوري خوفه وتحدى الشيطان. كان العطاء والتحدي لا متناه.

تغيرت المعطيات وتغيرت المعادلة، تغير مسار السفينة لأجد نفسي خارج مدينتي التي توحدت معها بحالة عشق، أضعتها لعقود وعندما استعدتها غادرتها. بعد سني الاغتراب الطويلة تأتي التغريبة السورية لتنقلني ومئات الآلاف غيري إلى خارج الوطن، اخترت المكان الأقرب “غازي عنتاب” على مرمى حجر بانتظار العودة، اليوم الذي طال انتظاره.

لم يعنيني المكان الجديد، رغم جماله وكرم الشعب المضيف، لأكثر من سنة لم أتقبل حالة اللجوء بقيت الأجواء السورية هي السائدة، والتعامل مع البلد المضيف وسكانه بأضيق نطاق، هي إقامة مؤقتة وسنعود كان تحفظ نفسي وعدم رغبة بالاندماج.

كانت الأوضاع في سورية تزداد تعقيداً. بعد سنة فرضت تلك المدينة نفسها ومحبتها علي، هي أليفة جداً ووادعة، بمعزل عن غياب الحالة القانونية التي تمنح بعض الاستقرار والأمان للسوريين، وبعيداً عن الظروف السياسية التي تجعل منهم أداة في العملية الانتخابية، وبغض النظر عن شطارة أو شيطنة السوريين بعلاقتهم ببعض. كانت عنتاب هي المكان الأحب، تآلفت مع شوارعها وحدائقها وناسها، مع أسواقها القديمة وخاناتها المفعمة بعبق الشرق والتي تعيدني إلى مدينتي الأولى. نعم قبلتها، لكنها لم تقبلني. لم تقدم أي من ظروف البقاء والاستمرار، انعدام الإحساس بالاستقرار، التوتر الدائم تجاه القادم، التناقض والتبدل بسياسة الدولة بعلاقتها مع اللاجئين السوريين، وعلاقات السوريين فيما بينهم وما يسمى منهم (معارضة). أصبح مستفزاً أن يحسب أحدنا عليها، انتقلت المحسوبيات بكل أشكالها إلى مؤسسات المعارضة ومنظمات المجتمع المدني السورية، الاعتبارات الطائفية والمناطقية والمالية والجنسية هي مفاتيح العمل.
احتلال سورية وتقسيمها وتحولها إلى مرتع لكل زنادقة العالم. تلاشى أمل العودة، وأصبحت سورية حلم.

الغربة هنا أدهى وأمر، غربة عن كل شيء والأهم فقد الأمل بالعودة.

لا يمكن أن تكون أوربا حلما لمن تخطى الخمسين، هي ملاذ آمن وحالة استقرار مفتقدة، الحق بالاستقرار يعادل الحق بالحياة كما يراه فقهاء القانون. وبشكل مباشر أكثر هي استمرار للتغريبة السورية في رحلة التهجير القسري، والبحث عن وطن بديل.

هل ستكون ألمانيا الوطن البديل، أشعر كما الولد الذي تم تبنيه، ليجد نفسه بين أغراب يقومون بدور الأهل، لم يكبر بينهم ولم يحبهم أو يحبونه بعد، ربما مع مرور الوقت والتعامل الجيد يأتي الحب.

الآن هي الغربة بكل قسوتها ليست اختياراً، حيث تتلاشى الخيارات.

تصريحات المسؤولين الأتراك حول اللاجئين السوريين كانت إيجابية ومطمئنة، وهي فعلاً الأفضل بين دول الجوار، لكن المسافة كانت تبتعد بين الحديث الإعلامي والخطابي وبين الواقع.

دول الاتحاد الاوربي ليست بحال أفضل، فحيث نجد التعاطف الإنساني والتصريحات الرسمية المرحبة، على مستوى الواقع نجد حكومات بدأت تشعر بالضيق من الوافدين، وتنظيمات محلية ترفضهم. الخطاب الإعلامي للساسة بواد والواقع بواد آخر.

وحيث اختزلت القضية السورية إلى قضية لاجئين، لن تحل باستقبال هؤلاء اللاجئين، وكأن الغرب أنهى التزامه وقدم أقصى ما عنده باستقبالهم، متجاهلين القضية الأساسية التي نتج عنها ملايين اللاجئين والتي وقفت دول العالم متفرجة دون دور حقيقي. حيث عجزت حتى عن فرض منطقة آمنة يلجأ إليها الهاربون من القصف وليس لديهم القدرة على السفر.

أوربا تستقبل من يصل إليها ولا تقبل استقبال لاجئين عبر سفاراتها. هذا له دلالات يسهل فهمها لمن يصل هنا. التباكي على ظروف السوريين، لا يعفي الدول الكبرى من التزامها وتقصيرها بحق شعب يقتّل ويهجّر منذ سنين. السؤال المشروع برسم الدول المتحضرة: كيف تنظرون إلى من بقى في سورية وليس لديه الامكانية المادية للهجرة، هل هو جدير بالقتل، لتناله الصواريخ الروسية أو الاميركية أو الايرانية أوووو.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.