العودة الى الصفر

محطات من التغريبة الشامية ١٧

البيوت الصامدة في وجه الغارة اللعينة، تكسر زجاج نوافذها وتصدعت أبوابها، ضاعت ملامح ومفارق الحارة أصبحت مجرد كومة ردم بخليط من الأثاث المتكسر المتطاير مع بعض قطع الثياب الممزقة ورائحة الدماء تملأ المكان.

الأيام السورية؛ نور الشامي

أبنية مهدمة وكأنها ساجدة لرب السماء تشكو له ما فعلته تلك الطائرات الحربية، وكأنها انحنت إكبارا للشهداء الذين قضوا ودفنوا تحتها ولم يستطع أحداً إخراجهم، لا شيء موجود كما غادرته البارحة، يوم واحد فقط كان نقطة تحول للكثير، منهم من بات يتيماً وأخريات أرامل، وآخرون مصابين، وكثيرون مثلنا مشردين بلا مأوى.

أريد رؤية بقايا بيتي

حدث هذا بعدما بت تلك الليلة في منزل والدي أعد الدقائق أريد رؤية بقايا بيتي، لم أجد للنوم سبيلا، زوجي أظنه نام من شدة بكائه وتعبه بعدما فقد صديقه (أكرم)، بت أفكر أين سنعيش؟ وكيف سنتدبر أمورنا في إيجاد منزل وإيجاد أثاث وبقية المستلزمات قبل حلول موعد ولادتي؟!

بينما أنا غارقة في أفكاري السوداء يعلو صوت المؤذن لصلاة الفجر، فينسكب صوته في الأذن كالدواء المهدئ يسري في أوردتي، يشحنها صبرا وسلوان، ويصب في قلبي طمأنينة أن الله لن يترك الغوطة في هذه الأوضاع وحده يعلم مصابنا في وقت تجاهل العالم بأسره ما يحل بنا.

بدأت الحركات في البيوت بُعيد الأذان وكأنهم من الأجداث إلى طاعة ربهم ينسلون، أيقظت زوجي، صدم من منظر عيناي المتورمتين من طول السهر والبكاء، أدينا الصلاة وتسللنا من المنزل بهدوء شديد قبل أن يستيقظ أحدْ لصلاته حتى لا يمنعنا من الذهاب.

الأجواء قبل شروق الشمس عادة ما تكون هادئة خالية من أصوات القصف، أسير بقدماي للأمام وقلبي يتمنى العودة لأني لن أحتمل ما سأرى، وصلنا الحي، الحزن والبؤس يلف المكان، سكون ووحشة مخيفة.

رائحة الدماء تملأ المكان

البيوت الصامدة في وجه الغارة اللعينة، تكسر زجاج نوافذها وتصدعت أبوابها، ضاعت ملامح ومفارق الحارة أصبحت مجرد كومة ردم بخليط من الأثاث المتكسر المتطاير مع بعض قطع الثياب الممزقة ورائحة الدماء تملأ المكان، جلست على كومة البناء المهدوم أرثي هذه الأحزان كلها وأبكي لا أستطيع تحديد السبب، لا مجال للبحث عن أي شي، يطلب زوجي أن نعود قبل أن تبدأ الطائرة الحربية دوامها الرسمي علينا.

نمشي ونجر خيبتنا صامتين مثقلين بهموم كل الحي لأسمع صوت إحدى سكان الحي تطلب من زوجها رؤية ابنها، سألت زوجي عنه هز رأسه بألم، لم أملك جرأة السؤال مرة أخرى، لكنه تحدث لوحده أن الشاب بترت قدماه وحالته خطرة، أتخيل شكله بعدما كان كتلة نشاط وهمة سيصبح سجين كرسيه المتحرك في حال استطاع تأمين كرسي، فحتى هذه الخدمات البسيطة كان المصاب محروما منها.

صديق وبيت جديد

في منتصف الطريق يلتقي زوجي بصديقه ويأخذه للحديث جانبا بعيدا عني، أثار طول وقت حديثهم فضولي، أتى زوجي على غير الوجه الذي غادرني به هناك شيء من الأمل يظهر في عينيه، فأخبرني أن لصديقه هذا أخ يقيم في دمشق، وبيته واسع ولا يريد أن تسكن به عائلة كبيرة فيها أولاد خوفا على الأثاث.

لأنه وبسبب موجات النزوح وكثرة تهدم البيوت لم يعد هناك مجال لانتظار موافقة أصحاب المنازل حيث باتت المجالس المحلية للبلدات تقوم بفتح البيوت الخالية وتسجيل ما يوجد فيها من أثاث وأغراض على عقد ليتم ضمان حق صاحب البيت وتسكن فيه عائلة مكلومة كانت بلا مأوى.

نكمل طريقنا بإتجاه منزل أهلي ليشير زوجي ونحن في وسط البلدة عن مكان إقامتنا الجديد، رعب شديد دبَّ في قلبي فهي مثل كل ساحات البلدات في الغوطة منطقة مستهدفة لكونها تحتوي على الطرقات الأساسية والسوق الشعبي والمفارق المؤدية للبلدات الأخرى.

شحوب وإنهاك ونزيف

بقيت محتفظة بصمتي وأسير لأشعر برطوبة في قدمي، نظرت إلى حذائي لأجده مهترئا أكلت منه الحفر الناتجة عن القصف جزءا جعله يسرب الماء المسكوب من وعاء أحد الأطفال أو الرجال وهو في رحلته لنقل الماء من البئر إلى منزله، فقد أصبح هذا العمل الشاق مهمة الأطفال اليومية في حال غياب الأب أو ذهابه للعمل، بات أطفالنا رجال صغار حملوا مسؤوليات وهموم تفوق أعمارهم، لم يهمني أمر الحذاء، تابعت سيري إلا أني بلا شعور بت أتفحص أحذية المارين، لم أجد ما يميز أحذيتهم فجميعها قديمة مهترئة وكلنا بقلوب وثياب رثَّة.

يضحك زوجي من منظري في تفحص المارة ليواسيني قليلا ويخبرني أنه سيشتري لي حذاءً جديداً، لأنتبه أننا أصبحنا بحاجة لكل شيء حتى الملابس، بدأت أشعر ببعض الضيق والتعب، وأخيرا وصلنا للمنزل إلى أن قواي ضعفت وانتظر أن يفتح أحد ما الباب، فأفاجئ بإحساس الرطوبة من جديد تفقدت حذائي مرة أخرى لأجده غارقاً بالدماء، لم استوعب مايحدث تسرعت ضربات قلبي، فتحت أمي الباب وهي تقول (منيح ما تأخرتو) لكنها تفاجأت حين رأتني لتسالني عما حدث، وعن لوني الذي شحب و أصبحت صفراء اللون، فما كان إلا أن نظرت لبقعة الدم أسفل قدماي لتعرف أنني انزف.

المزيد للكاتبة
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.