العنف الأسري ضد المرأة.. حينما يكون الحل على حساب الطفلة

قصة صغيرة من آلاف القصص التي تحدث في سوريا في ظل غياب القانون، وجهل الأهالي الذين ما زال بعضهم يرى أن نهاية الفتاة منزل زوجها، وأن ضرب الفتاة وإهانتها من رجلها أمر طبيعي، وأن المرأة ضلع قاصر ويجب دائماً أن يكون هو من يقرر مصيرها.

الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

نهال، طفلة سورية تبلغ من العمر 15 عاماً، ولدت لأبوين لم يتلقيا التعليم، عاشت في ظل تفكك أسري كبير، يسبب خلافات دائمة ومتكررة بين الوالدين.

عائلة مفككة

في بداية الحرب التي شنها النظام السوري، على الشعب المنتفض، سافر الوالد إلى الأردن مع عائلته، لكنه سرعان ما يلتقي هناك بامرأة أخرى تحمل الجنسية الأردنية، فيتزوج منها، ويطلّق زوجته ويجبرها للعودة إلى سوريا مع أولاده الخمسة.

تعود الأم إلى سوريا، تقصد دار والدها، الذي رحب بابنته ممتعضاً، لكنه رفض بالمطلق استقبال أولادها الخمسة، والد الزوج أيضاً لم يقبل ببقاء الأطفال لديه، ليكون مصير هؤلاء الأطفال دار الأيتام.

لم يستطع الزوج تحمل الحياة الجديدة في الأردن، وبعد عدة وساطات، وضغط عائلي على الوالد القاطن في الأردن، قرر العودة إلى سوريا والاستقرار مع عائلته، لتجتمع الأسرة من جديد في بيت واحد، لكن دون أي مشاعر حب حقيقية، وبلا أي حدود دنيا تضمن متطلبات العيش.

حل على حساب الطفلة

كان زواج نهال، حلاً من الحلول التي فكر فيها الوالدين لتدبير أمور أسرتهما، فمن ناحية سيتخلصون من عبء فرد من أفراد العائلة، ومن جهة أخرى ما سيحصلون عليه من مهرها سيساعدهم على تأمين فرصة عمل جديدة للوالد، قد تساعده في تأمين متطلبات الحياة.

أجبرت نهال على الزواج من رجل يبلغ ضعف عمرها، بسبب امتلاكه للمال وللسلطة، قرر الوالد ذلك دون استشارتها، ولا حتى محاولة إقناعها، الأم بدورها لم تعارض، ولم تبد أي ردة فعل، رغم أنها عانت الأمرين سابقاً، كونها عاشت تجربة الزواج في سن صغيرة. تقول الأم لـ “صحيفة الأيام” الزواج سيكون سترا لها، مؤكدة “لا يوجد لدي أي مانع في زواج ابنتي، فهي في آخر المطاف ستكون لزوجها ولبيتها، لن تنفعها الدراسة، وما الضير من تزويجها وهي قاصر”.

كان يخاف من أن أعنس وأجلس في وجهه

نهال الرافضة لهذا الزواج، لكنها لم تكن تملك أي حول أو قوة لتقف، وتعلن رفضها في وجه والدها، فهي ما زلت طفلة، حرمها والدها من الدراسة، تقول “جعلني فرجة للخطابات خوفاً من أن أعنس وأجلس في وجهه”، حسب تعبيره.

تؤكد أنها خائفة جداً من مستقبل قد يكون كمستقبل أمها الأسود، تقول، كنت أناجي نفسي وأتمنى “لا أريد أن يطلقني زوجي، أو أن يتزوج علي، ولا حتى أن يضربني ويهينني”.

لن يضربها إن لم تتواقح معه

أم نهال تستغرب بشدة من سؤالنا: هل تخافين على مستقبل ابنتك؟ تجيب بكل هدوء “لماذا عليّ أن أخاف، فها أنا تزوجت مبكرة، وزوجها لن يضربها إن لم تتواقح معه وتتكلم معه بطريقة غير لبقة، إن حياتي مثالية، لدي زوج وأطفال، عدا عن أن الزواج المبكر مفيد، لأن ذلك يتيح للرجل أن يربي زوجته على يده وكما يريدها هو”.

تفكير الوالدة يدور حول عدم زواج ابنتها، تخاف كما تقول من أن تموت غداً تاركة بناتها دون رجال يحمونهن، “زوج ابنتي، غني، ولن يتركها وحيدة مهما حدث، ثم إنه ذو سلطة، نستطيع الآن أن نؤمن الغاز والخبز دون أي عذاب، ودون أي مقابل مادي أيضاً.”

عرس بلمحة مأساوية

إحدى قريبات نهال، تحدثت لنا “يوم عرس مرام، كنت واقفة من بعيد أنظر لوالدتي العروس والعريس نظرة احتقار، أنظر إلى مرام، أراها تلعب مع الفتيات وهي مرتدية البدلة البيضاء، تحاول أن تظهر نفسها على أنها امرأة ناضجة، لكنها لم تنجح بذلك، أنظر إلى والدة مرام أراها مفتخرة بزواج انتبها القاصر، انظر إلى والدة العريس أراها فرحة بزواج ابنها من طفلة صغيرة لن تعذبه في حياته.”

صورة تعبيرية(نون بوست)

زوجي اغتصبني

نهال الحامل في شهرها الخامس اليوم، تحاول أن تخبئ دمعتها وهي تتحدث عن ألم يعتريها “لا أستطيع تحمل طلبات زوجي، فهو يطالبني دوماً بممارسة حياتي الزوجية معه، اغتصبني عدة مرات، وها أنا الآن حامل، يخطر ببالي كثيراً أن أذهب إلى المدرسة، وأن أتعلم، أن أنزل إلى الشارع، وألعب مع البنات هناك، أن أعيش طفولتي التي كانت خالتي تخبرني عنها، لكن لا أستطيع، فزوجي لا يدعني أخرج من المنزل بمفردي، وعندما يذهب يقفل باب المنزل، أبقى وحيدة، دون أي اهتمام منه أو حتى من والدتي”.

أبرحني ضرباً وأسعفني إلى المستشفى

تتابع نهال “في إحدى المرات حاولت أن أهرب من المنزل، لكني لم أستطع وعلم زوجي بذلك، فأبرحني ضرباً، إلى درجة اضطر لنقلي في حالة إسعافية إلى المشفى، وبعدها طلقني دون أن يرف له جفن.

عندما رآني والدي في المشفى انهال علي بالشتائم، “لقد سودتِ لي وجهي، كيف لي أن أنظر بعيني زوجك، ماذا سأقول له، ابنتي كانت تحاول أن تهرب منك، لقد كسرت ظهري، أصبحت الآن مطلقة، وأنا لا ألومه أبداً، ماذا سأفعل بك، وبولدك الحامل به”.

طفلة مطلقة تنتظر طفلا

زوج نهال طلقها بحجة صغر عقلها، وعدم قدرة زوجها على تحمل تصرفاتها الطفولية، هكذا بكل بساطة وثقة، قال الرجل، وطلقها، لتصبح وقبل أن تبلغ السادسة عسرة من عمرها، مطلقة في بيت والدها، لا تخرج من المنزل، خوفاً من نظرات العالم إليها، وخوفاً من غض والدها الذي منعها من الخروج من المنزل تحت أي ظرف كان.

نهال، حامل في شهورها الأخير، لا تملك أي عناية طبية، بسبب عدم قدرة الوالد على دفع تكاليف الإشراف الطبي، وعدم رغبته في ذلك، بحجة أنه “غير مجبر بطفلها، وأنها هي من فعلت ذلك بنفسها، ويجب أن تتحمل العواقب”.

قصة صغيرة من آلاف القصص التي تحدث في سوريا في ظل غياب القانون، وجهل الأهالي الذين ما زال بعضهم يرى أن نهاية الفتاة منزل زوجها، وأن ضرب الفتاة وإهانتها من رجلها أمر طبيعي، وأن المرأة ضلع قاصر ويجب دائماً أن يكون الرجل إن كان الوالد أو الزوج، أو الأخ أو الابن، هو من يقرر مصيرها.

مصدر أرشيف الأيام
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.