العمل المسلح والحل السياسي – كمال اللبواني

هذا النظام جاء بالعنف واستمر بالسجون والتصفيات والقمع ، وارتكب جرائم في سوريا وخارجها ، ومجازر كتل الزعتر وحماه وتدمر ، ومع بداية الثورة السورية كان رد فعله العنيف والاجرامي متوقع ومنسجم مع تكوينه وعقله ، وعندما حمل الشعب السلاح في وجهه كان يمارس حقه في الدفاع المشروع عن النفس في مواجهة همجية غير مسبوقة ، بعد أن فشلت كل الطرق في لجمها ، ولم يكن السلاح خيارا ولا قرارا ، بل ضرورة فرضت نفسها ، فلا يعقل أن نسلم شبابنا وأطفالنا ونسائنا للذبح كالنعاج ، ونحن نمارس النضال السلمي ، خاصة وأننا نحمل ثقافة الصحراء العربية ، وندين بدين يأمرنا بالذود عن حمانا وكرامتنا .

في الشهر الثامن من الثورة خرجت من السجن لأرى شبابنا وقد حملوا السلاح وباشروا عملية الدفاع والتحرير ، وكنا أمام خيارين إما أن نتخلى عنهم ونستنكر افعالهم ، أو أن نعطيهم المبرر والشرعية ونقدم لهم المرجعية والضوابط اللازمة لكل من يحمل السلاح ، وبعد جولة ميدانية في ريف دمشق الثائر وبعض المناطق القريبة أدركت أن هذه الثورة تستطيع أن تسقط النظام بالقوة، لو حصلت على الشرعية والدعم ، وهكذا قررت الخروج للمساهمة في عملية تأمين الشرعية والغطاء السياسي لعملية دعم العمل المسلح وما سمي بالجيش الحر ، الذي حظي بشعبية كبيرة داخل المجتمع . وما يزال . وصولا إلى قرار القمة العربية الذي يشرع هذه العملية النبيلة .

بما يعنيه ذلك من حاجة لقوى سياسية تنخرط في تأمين المرجعية والضوابط والقيادة لهذا العمل ، تلك المهمة التي تهرب منها جل سياسيي المعارضة بكل أسف ، وتركت لقيادات ومرجعيات محلية ودينية وعشائرية ، مكرسة حالة فوضى عسكرية ، ما يزال من الصعوبة بمكان تجاوزها ، رغم مطالبتنا المستمرة وسعينا المستمر لتوحيد الدعم وتنسيقه ليكون أداة تنظيم وتوحيد وانضباط ،

هروب قيادات المعارضة من تحمل مسئولياتهم ، وعدم ايجادهم لقيادات عسكرية موحدة ، هو من أدخل العمل المسلح بالفوضى ، وهو من أضعف المقاومة ، وسمح للقاصي والداني بالتدخل ، وسمح بالتجاوزات ، وحتى بدخول عناصر غريبة . فمن لا يدرك الواقع ومن لا يتفاعل معه ، يعزل نفسه عن الفعل والتأثير والقيادة ، ولا يحق له اصدار الأوامر ، ولا يستطيع ذلك ، بما فيها تشكيل حكومة ، لأنها ستكون منفصلة كما المجلس الذي شكلها عن الواقع ، وعن فعل السلطة .

القوى والجهات المتضررة من اسقاط النظام وتفكيكه ، حاولت باستماته العمل على حل سياسي يبقى على الأسد ، لأن فكرة الحل السياسي قبل الهزيمة الواضحة ، تعني بقاء الطرف الآخر كشريك ، ولا يمكن نظريا وعمليا محاورة أحد على زواله ، فما ضرورة الحوار مع طرف زائل ،إذا لم يكن له مطالب ، وشروط وحصة بما سنتفق عليه وسيبنى في المستقبل . وهي لهذا المسعى ما تزال تطلق المبادرات وترسل المندوبين ، للتحضير لهذا التفاوض الذي يعيد الشرعية للنظام ولو جزئيا ، ويضع حدا لاستراتيجية اسقاطه بالقوة .

فالحرب التي فرضها النظام علينا ليس نحن من أرادها ولا من خطط لها ، ولكننا سنخوضها بشجاعة ولن نفر منها ، لأن ثمن الفرار من الحرب باهظ ، و الحرب واقعة لا محالة بدليل وقوع مشابهاتها في فلسطين والأردن ولبنان والعراق ، وهي ليست من اختراعنا ولا هي رغبتنا ، لكن انسداد التاريخ وتراكم الأزمات السياسية هي السبب في حالة التوتر وعدم الاستقرار المؤدية للحروب والتي لن تتوقف من دون حلول حقيقية ، وليس تهدئة سرعان ما ستسقط . وعلى كل من يفكر بالحل السياسي عليه ملامسة أعماق الأزمات وليس سطحها . وأن يبحث عن حلول حقيقية وجذرية ، وليس ترقيع المهترئ .

وفي سوريا لا حل الا بإسقاط النظام واقامة الدولة المدنية دولة المواطنة وليس المحاصصة . ولا يمكن القفز فوق العدالة لأن ذلك سيقودنا نحو الوحشية من جديد .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.