العلم والنظرة العربية إلى العالم

ساري حنفي
يأخذنا هذا الكتاب لمؤلفه سمير أبو زيد، في رحلة بديعة عبر مدارس متعددة، تهدف إلى الربط بين العلم والخصوصية الثقافية للعرب أو المسلمين. وتتجلى خصوصية طرحه في أنه غير مفتون بعلم “حيادي” و”موضوعي” أو بالخصوصية الثقافية، فهو يعالج شقي القضية عن طريق صياغة ماهية العلم الذي يأمل في تأسيسه في المجتمع من جانب، وصياغة ماهية النظرة إلى العالم التي يمتلكها المجتمع وإنشاء علاقة هذه النظرة إلى العالم من جانب آخر. والكلمة المفتاحية التي يستخدمها أبو زيد هي مفهوم “الاتساق” (consistency) باعتباره المفهوم الجوهري في “النظرة إلى العالم”. فإذا كان لكل إنسان نظرة إلى العالم، فإن السمة الأساسية التي تميز هذه النظرة، هي أن تكون متسقة مع ذاتها ومع العالم الواقعي، وهذا بنظره سر نجاح الحضارة العربية الإسلامية القديمة.

يغاير هذا التأسيس رأي مفكرين كثر اعتمدوا النظرة التوفيقية ما بين النظرة الإسلامية القديمة والنظرة الغربية الحديثة، أو النظرة الإسلامية البحتة. لقد تعامل أبو زيد مع الواقع المجتمعي وليس مع الأماني، أي كيف نأمل أن يكون واقع مجتمعنا. فالجمهور العربي ينزع نحو النظرة الإسلامية على مستويين: الأول فكري، وهو معارضة الجمهور للتخلي عن النظرة الإسلامية، بما فيها من عناصر أخلاقية ودينية لمصلحة نظرة فكر الحداثة التي تطرح عناصر مناقضة لها؛ والمستوى الثاني سياسي، وهو انتشار الحركات الإسلامية. إذا مشروع أبو زيد، ليس بضرورة تبني فكر الحداثة، بأطيافه المختلفة، وليس أيضاً بالتمسك بفكر التراث (كما هو الأمر لدى أصحاب التوجه الإسلامي).

ينتقد أبو زيد النزعة التوفيقية ويتبنى التأسيس للمعرفة معتمداً على نموذج من التراث، وهو نموذج اللغوي الفارسي الشيخ عبد القاهر الجرجاني القائم على ثلاث خطوات أساسية، إنشاء القضية الدينية والقضية العلمية، كل في مجالها، بشكل كامل، ومن ثم الفصل بين القضيتين، كل في مجالها، وأخيراً إنشاء علاقة رابط بين القضيتين، وهي علاقة التدرج في القدرة اللغوية، بلا حدود. لقد تمكن عبد القاهر باستخدام هذا المنهج أن يعالج قضية دينية عقلية مشتركة هي قضية الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم، وفي الوقت نفسه إنتاج نظرية في اللغة، هي نظرية التنظيم التي تمتلك كل المقومات الخاصة بأي نظرية في العلوم الإنسانية بالمعنى المعاصر. هذا المنهج قادر على إنتاج نظرية علمية تلتزم بشروطها العلمية والعلاقات السببية شبه الحتمية في اتساق كامل مع الفكر الديني الإسلامي. وبذلك لا يشكل هذا المنهج، حسب أبو زيد، نموذجا لتحقيق الاتساق بين النظرة العربية الإسلامية والعلم المعاصر.

إذا يخلص أبو زيد إلى أن المنهج الذي يستوحيه من الجرجاني يشكل محاولة جديدة بعد فشل المحاولات الحديثة الكثيرة في التأسيس العلمي، وخاصة فشل دعاة العلم الإسلامي في تحقيق الاتساق بين العلم “الإسلامي” والعلم الإنساني “المعاصر”. وبالتالي عدم الاتساق بين هذا الفكر والواقع.

وعلى الرغم من أنني أتفق مع أبو زيد في أن أصحاب مشروع “أسلمة المعرفة” بدءاً من إسماعيل الفاروقي، المدير السابق لمعهد الفكر الإسلامي العالمي، قد وصلوا في كثير من الأحيان إلى طرق مسدودة، واكتفوا بالشعارات، إلا أنني أرى أن منهجهم قد تطور، وأن هناك بعض الأدبيات التي انتهجت منهج “الفصل – الوصل” للجرجاني بدون أن تذكره عينيا.

ولعلي أرى اختزالية في كل هذه المشاريع المُؤَسِّسَة للاتساق أو التوافق أو الأسلمة التي تنزع لأن تكون مناهج معرفية بحتة، بينما أفضل المناهج الاجتماعية – المعرفية، كمنهج رشدي راشد الذي استخدم مفهوم “توطين العلم” باعتباره طريقة للتأسيس العلمي في المجتمعات العربية المعاصرة. وحسب راشد فإن توطين العلم يرتكز على عنصرين أساسيين، الأول هو ضرورة أن يرتكز على معرفة صحيحة للعلاقة بين العلم العربي-الإسلامي القديم والعلم الحديث، وضرورة إعادة الاعتبار لدوره الرائد في صيرورة هذا الأخير. والثاني على ضرورة اشتراك كل من السلطتين السياسية والاقتصادية من عملية التوفيق، وذلك لتحقيق البنية التحتية اللازمة لإنتاج العلم.

(أستاذ علم الاجتماع، الجامعة الأميركية ـ بيروت)

العربي الجديد
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.