العلمانيون ………..وأزمة الانتماء – بقلم السوري الثائر

 

منذ فجر النهضة العربية برزت إشكالية التمايز بين ما هو علماني وما هو غير ذلك ، فلسنا هنا لنتهم العلمانيين بالتنكر للأصالة والتراث والتقليد الأعمى للغرب وبالتحلل الأخلاقي والفكري وبالتوجه للمادية الاقتصادية وبث الأفكار الإباحية والطواف حول الجسد وتلبية نداء الغرائز حتى الوصول لعبادتها.

ولسنا هنا أيضا للرد على اتهامات العلمانيين للآخرين بانغلاق العقل والانكفاء على الماضي واجتراره من غير تفكير ،واختزال التاريخ بأشخاص وأخيلة وأساطير واحتكار المعرفة والحقيقة مبنية على ماض غابر بما يحمل معه من تحجر وتكلس في الفكر وعدم ارتقاء في العلم والإبداع.

لقد بدأ استخدام مصطلح سكيولار Secular بعد نهاية حرب الثلاثين عاما عام 1648 عند ظهور الدولة القومية الحديثة وكان هذا المصطلح محدود الدلالة وكان يشير إلى ” علمنة ” ممتلكات الكنيسة ونقلها إلى سلطات غير دينية ( سلطة الدولة)

ثم تطور المصطلح ليشير إلى الملحدين أو اللاقدريين ، وحاول جون هوليوك (1906) أن يبعد العلمانية عن هذا الوصف فقام بتعريفها بأنها ” الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض) ولازال هذا التعريف ساريا في الخطاب السياسي والاجتماعي حتى يومنا هذا ،رغم صدور الكثير من التعريفات الحديثة المعاصرة.

هنا برزت إشكالية الانتماء لدى العلمانيين العرب ، فما هي المنظومة المعرفية المعتمدة في ” إصلاح حال الإنسان ” ؟!!

هنا بات العلماني يعيش أزمة مع نفسه أمام ما هو مادي بحت ،وما بين القيم والمعرفة التراكمية المجتمعية التي تعايش فيها ، فأصبح يضع نفسه أمام خيارين ، إما أن يكون إنسانا ماديا بحتاً حتى يستطيع أن يحقق مبادئ علمانيته ، أو أن يستند إلى قيمه المعرفية المجتمعية وهنا يجد نفسه قد خرج عن علمانيته.

من هنا نجد أن العلمانية ليست محايدة كما ادعت بأنها لا تتصدى لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض لأنها لم تشر إلى مصدر ” إصلاح حال الإنسان بالطرق المادية ” بشكل واضح وتركت الإنسان يعيش صراعاً داخلياً مع نفسه حول مشروعية هذه المنظومة الفكرية والمعرفية والتي قد تؤدي به إلى الرداليكية من خلال تقديس المادة، وهنا يبتعد عن العلمانية كمبدأ يحيد الإيمان في هدف إصلاح الإنسان.

أدرك العلمانيون هذه المشكلة فحولوا العلمانية من هدف إصلاح الفرد إلى هدف أعم وأشمل حتى يخففوا منها ويبعدوا الجدل والنقاش عن جوهر الخلل فيها ، فطالبوا بما يسمى علمانية الدولة ، وقد ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى في إنكلترا حيث طالب بعض البرلمانيون ” بفصل مؤسسات الكنيسة عن المؤسسات السياسية (الدولة) ”

ورغم ذلك ظل العلمانيون يعانون أزمة انتماء لأن هذا التعريف هو تعريف شامل لا يعالج الدائرة الضيقة لكل فرد يحاول أن يكون علمانيا بذاته دون أن يعيش هذا التناقض الداخلي بنفسه ، وبرزت هذه المشكلة بشكل أكبر لدى العلمانيين العرب أكثر منهم في الغرب ،بسبب التراكم المعرفي والحضاري الموروث في مجتمعاتهم.

حاول العلماني العربي أدلجت نفسه حتى يستطيع أن يتخلص من أزمة الانتماء التي يعاني منها ، فاتجه بعضهم للقومية واختار آخرون الشيوعية ومنهم من حاول أن ينتهج الرأسمالية الغربية فكرا أو الاشتراكية منهجاً ، ومع هذا استمرت أزمتهم حتى حرفت بعضهم عن مبادئ العلمانية الأساسية ليتحولوا إلى متطرفين لأيديولوجياتهم المختارة.

بالطبع كل ذلك لم يعالج أصل المشكلة لدى العلمانيين العرب الذين لم يستطيعوا أن ينسجموا مع نموذج المجتمع الغربي العلماني المعاصر ،ولم يستطيعوا فرضه على مجتمعاتهم حيث بائت جميع محاولاتهم بالفشل مما سمح المجال للآخرين بتجرية نماذجهم بغياب رؤية استراتيجية واضحة وشفافة يمكن أن توقعهم بنفس الأخطاء التي ارتكبها غيرهم.

لقد حاول العلمانيون العرب ربط العلمانية كنموذج عصري غربي بالحضارة الغربية باعتباره النموذج الحضاري الملائم لكل البشر معتمدين بذلك على نجاح الحضارة الغربية الحديثة بتحقيق الرفاه لمواطنيها ، متغاضين عن جميع الآثار السلبية التي خلفتها تلك الحضارة على حياة الإنسان ومتجاهلين خصوصية مجتمعاتهم الشرقية التي ينتمون إليها ، وربط بعضهم هذا المفهوم بالقومية العربية كي يعزز موقعه ويدغدغ المشاعر الإثنية لأغلب شعوب المنطقة العربية مدمرين بذلك التنوع الكبير التي تذخر به منطقتنا.

إن اختلاط المفاهيم لدى العلمانيين أدى إلى ضياع هويتهم ، فترى هنغتون يتحدث في كتابه ” صراع الحضارات” عن المصطلحات الخاصة بالمجتمع الغربي الحديث من مثل : الفردية ، الليبرالية ، المساواة ، الحرية ، الديمقراطية ، ومن ثم يضيف إليها العلمانية ( أي فصل الدين عن الدولة ) ، أي أن العلمانية لم تعد النظرة الإنسانية الشمولية للكون ، في مكونات الحضارة الغربية .

كتب أحد العلمانيين العرب قصيدة يوماً قال فيها :

العالم في قلبي مات

لكن حين يكف المذياع وتغلق الحجيرات

أخرجه من قلبي وأسجيه فوق سريري

أسقيه نبيذ الرغبة

فلعل الدفء يعود إلى الأطراف الباردة الصلبة

لكن تفتتت بشرته في كفي

لم يتبقى منه سوى جمجمة وعظام!

….وأنام

هذا ما يشعر به العلماني العربي اليوم ، هو نوم أقرب للموت ، نوم منفصل عن الواقع ، نوم يحاول الوصول جاهدا ً إلى الحياد ، يسحب منه الإله وينزع منه القداسة ، ويبعث الإنسان في عالم متبعثر الذرات ، عالم خال من القيم الإنسانية الموروثة.
عاشت سوريا حرة أبية ، بكل أطيافها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.