العلمانية والدين في الخطاب الأميركي

ياسر غريب
شائكةٌ جداً تلك المنطقة التي نبحث فيها عن دورِ “الدين” في السياسة. ومضطرب هو موقف المثقف أو السياسي، الذي يشترط تحييد هذا الدور، حتى في الديمقراطيات الحديثة. إنه صراع أطروحات “الدين” ومبدأ “التعددية”، ومعضلة قبول كل واحد منهما الآخر.

يقال إن العقل الديموقراطي، في أنضج صوره، قد نحّى الدين جانباً، وإن الضمير الغربي قد حسم أمره في إقرار قواعد “غير دينية” مقياساً للصواب والخطأ. لكن الحقيقة ربما تكون غير ذلك، فقضية الدور الحقيقي للدين في سياسة الولايات المتحدة ليست هامشية على الإطلاق، والمجتمع الأميركي، وفقاً للاستطلاعات، من أكثر المجتمعات الديموقراطية التعددية تديناً، لذا فإن هذه القضية تظلّ مركزية وحاضرة بقوة في الخيارات السياسية هناك. كما أنّ نقاشاً ذا بعدين يفرض نفسه على طاولة البحث؛ أولهما: دستوري. والثاني: أخلاقي.

إعادة النظر

تتعدد اتجاهات المتدينين الأميركيين بصورة كبيرة، ولكن بالرغم من إيمانهم بالله واتفاقهم في معظم القضايا الدينية؛ فإن منهم من يخشون الخوض في نقاشات حول دور الدين في السياسة، خوفاً على قناعاتهم الدينية من أن تهتز أمام قناعات الآخرين، لذا ينظر بعضهم بريبة للطرح الذي قدمه مايكل ج. بيري في كتابه (الدين في السياسة: جوانب دستورية وأخلاقية) حين يطالبهم بإعادة النظر في الادعاءات بما أوحاه الله في ما يتعلق بمتطلبات مصلحة الإنسان وراحته.
يدافع بيري عن نفسه أمام تلك النظرة المريبة بأنه ألف كتابه بوصفه مسيحياً كاثوليكياً مشبعاً بروح المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965)، لكنه كتَبَه ممتلئاً بروح المسيحية القائمة على اللاهوت السلبي. فقد أراد أن يقف في طرحه بين كل الذين لا يؤمنون بالدين من جهة، وعددٍ من المؤمنين المحافظين لاهوتياً من جهة أخرى.
من هنا يبرر المؤلف أطروحته، انطلاقاً من مقولة القديس أنطوني، وهو من رهبان القرن الرابع: “كتابي، أيها الفيلسوف، هو طبيعة الأشياء المخلوقة، وفي أي وقت أريد أن أقرأ كلمات الله، فالكتاب أمامي!” كما أنه يختم كتابه بعبارات بليغة من مرافعة القاضي “جون نونان” (1926-1996م) منها قوله: “في الكنيسة يمكن دائماً أن يكون هناك نداء جديد للمسيح، هناك دائماً إمكانية للتوغل في أعماق جديدة من الرؤية … أليس من الواجب علينا، إذاً، أن نتقبل بصراحة أن التغيير هو شيء يؤدي دوراً في التعاليم الأخلاقية المسيحية؟ نعم. إذا كان مبدأ التغيير هو شخص المسيح”.

قيم دستورية

ينصّ الدستور الأميركي، في إطار حديثه عن الحرية الدينية، على قاعدتين أساسيتين: الأولى: قاعدة عدم التأسيس (أي: عدم تأسيس الحكومة لدين ما أو تمييزه عن غيره بأية صورة). الثانية: قاعدة حرية الممارسة العامة (أي: عدم تدخل الحكومة لمنع ممارسة أي دين). حيث “يُحْظَر على الكونغرس إصدار قانون يؤسس لدينٍ من الأديان، أو يمنع الممارسة الحرة لهذا الدين، أو الحد من حرية التعبير أو الصحافة أو الحد من حرية الأشخاص في التجمع السلمي أو منعهم من مطالبة الحكومة بإنصافهم من الإجحاف”.
خلاصة المقدمات والتحليلات التي قدمها المؤلف لهاتين القاعدتين تتمثل في: منع الحكومة من تقديم أحكام قيمية إيجابية أو سلبية عن الأديان أو الممارسات الدينية أو المعتقدات الدينية.
والرأي القائم على عدم إعطاء الحكومة الحقّ في إصدار مثل تلك الأحكام إنما هو حصيلة تاريخ طويل من التجربة، فعندما يُعطي أصحابُ السلطة أنفسَهم حقّ التقويم الإيجابي والسلبي للديانات أو الممارسات الدينية أو العقائد في مجتمع متعدد دينياً؛ فإنهم يُسيئون حتماً بصورة بالغة. وما أسوأ ما يمارس القويُّ سياسياً مثل هذه السلطة! كما أن الحكومة ليست في حاجة سياسية لتكون حرة للتمييز ضد الدين، وليست هناك خسارة ستسجل إذا حظر عليها ذلك التمييز.
وأغلب الظن أن هاتين القاعدتين تمثلان فخراً للأميركيين المتدينين أنفسِهم، على اختلاف أديانهم وطوائفهم. كما أنهما تمثلان راحة كبيرة لغير المؤمنين بأي دين أيضاً! فالعدالة في نظرهم جميعاً تعني حياد السلطة.

التأسيس ديمقراطياً

يتفرد الدستور الأمريكي بقاعدة “عدم التأسيس” من بين كثير من ديمقراطيات العالم، لكن ذلك لا يعني أن التأسيس لدين معين يمثل أحد نواقض العدالة الاجتماعية، إذا أتيحت له الشروط الواجبة لحفظ حقوق الإنسان وحريته في الممارسة الدينية؛ كما في الدستور الإيرلندي، الذي يقر بمسيحية غير طائفية للدولة، لكنه في الوقت ذاته لا يتجاهل أية صفة من الصفات التي تقرر أن كلّ إنسان، مسيحي أو غير مسيحي، هو كائن مقدس، فالدستور يحمل نصاً معبراً عن القناعات الجوهرية للشعب الإيرلندي، مع حماية الحرية الدينية لجميع المواطنين بشكل تام.
وأي استنتاج من أن الصبغة الدينية الظاهرة في الدستور الإيرلندي تنتهك حقوق الإنسان، فهو، وفقاً لتعبير بيري، استنتاج متطرف!

صراعات الفهم

“ما يبدو لي فهماً صحيحاً لهاتين القاعدتين، قد لا يبدو للمحكمة العليا في الولايات المتحدة أنه هو الفهم الصحيح”.
تكشف عبارة المؤلف هذه عن أن الصورة ليست متطابقة في أذهان الأميركيين حول كيفية تطبيق القاعدتين؛ خاصة عندما تتعلق بمجموعة من الصراعات المشحونة سياسياً.
من أمثلة ذلك: الصراع القانوني حول “الصلاة في المدارس العمومية”، وما إذا كان هذا التصرف عملاً ينتمي إلى باب حرية الممارسة الدينية أم أنه تصرف قسري وعدواني؛ لأن بعض الطلبة أو المعلمين سيجدون أنفسهم مُرغمين على حضور الصلاة التي قد لا يفضلون حضورها.
صراعات أخرى حفلت بها أروقة المحاكم الأميركية لمدة خمسين عاماً حول تفسير القاعدتين، مثل “إظهار الحكومة للرموز الدينية”، فهل عرض مؤسسات الحكومة لرمز ديني مثل “بابا نويل” أو “شجرة الميلاد”، أو تعليق “الوصايا العشر في مدرسة عمومية” يمثل خرقاً لقاعدة عدم التأسيس؟! أم لا؟! (لا يزال الخلاف قائماً).
يتعرض المؤلف أيضاً للقانون الذي سنته ولاية “أركنساس” الذي سُنّ في عام 1928 وينص، اعتماداً على نظرة دينية خالصة، على منع المُدرّس، في أية مدرسة أو جامعة، من تلقي الدعم من الحكومة من أن يدرس نظرية التطور!

خيارات دينية وأخلاقية

تبدو عناصر لوحة التدين الأميركي في صورة تصالحية مع العلمانية؛ فأغلب المسيحيين اليوم (بما في ذلك الكاثوليك من أتباع الكنيسة الأسقفية، والمصلحون، مثل: اللوثريين، والمنهجيين، والمشيخيين)، لا يساورهم أي شك إزاء أي طرحٍ ديني يتعلق بمتطلبات راحة الإنسان، إلا إذا توصل طرحٌ علمانيٌّ مقنع إلى النتيجة نفسها التي توصّل إليها الطرح الديني. وهؤلاء المسيحيون عامة يفهمون أنه ليس عليهم أن يختاروا بين “الإيمان” و”العقل”؛ فهما ليسا في تنازع، وليسا متنافرين، بل هما في حالة ثراء متبادل.
لذا فإن المشرع أو أي موظف رسمي آخر أو أي مواطن عادي لا يكون منتهكاً لقاعدة عدم التأسيس إذا عَرَض طرحاً دينياً في نقاش عامٍ، لما يمكن تبنيه خياراً سياسياً. ولكن الخيار السياسي يخرق القاعدة الدستورية إذا لم يكن له طرحٌ علماني معقول يسانده. بل إنه من المهم جداً أن تعرض الخيارات الدينية – باعتبارها قضية أخلاق سياسية – حتى يمكن اختبارها في النقاش السياسي العام.

الطرح العلماني الداعم

وفقاً لطبيعة المجتمع الأميركي يعتمد بعض المشرعين، وكذا بعض المواطنين المشاركين، على الأطروحات الدينية في تصويتهم على خياراتٍ سياسية تتعلق بأخلاقية السلوك البشري، بل إن الطرح الديني يكون أكثر تأثيراً في تحريك جماعة كبيرة من المشرعين أو المواطنين لاتخاذ خيار سياسي معين، وفي دفعهم لقبول الطرح العلماني المكمل له.
على سبيل المثال؛ دفع طرحٌ مبنيٌّ على الكتاب المقدس، مفاده أن السلوك الجنسي المثلي هو سلوك غير أخلاقي، بعضَ المواطنين والمشرعين نحو التوجه إلى رفض الاعتراف القانوني بالزواج المثلي، وجعل بعضَهم يقبلون، كأساس منطقي علماني لموقفهم، الطرحَ الذي يذهب إلى أن المثلية الجنسية، تماماً مثل الإدمان على الكحول، أمرٌ مَرَضِيٌّ، وحريٌّ بنا ألا نتسامح معه، أو الطرحَ الذي يذهب إلى أن الزواج المثلي سيهدد مؤسسة الزواج العادي، ويهدد قيماً عائلية تقليدية.
يرى بيري، رغم قناعته الشخصية بهشاشة بعض تلك الأطروحات، أنه من المهم أن تعرض مثل هذه الأطروحات بصورة ليست أقل من الأطروحات الأخلاقية العلمانية من أجل تجربتها في النقاش السياسي العام. وهو في ذلك يقف في مواجهة أولئك الذين يرون ضرورة تنحية الأطروحات الدينية بعيداً عن النقاش السياسي، لعدم قدرة بعض الأشخاص المتزمتين على ترك مسافة نقدية بينهم وبين معتقداتهم الدينية، تسمح بالمراجعة والأخذ والرد.
لكنه ينبه أيضاً إلى أن الأطروحات العلمانية ربما تكون متهافتة ولا تصلح أن تكون داعمة للطرح الديني، أو مساندة للحكومة في خيارها السياسي، ومثّل لذلك بمحاولة “جون فينيس” الضعيفة في أن يبني طرحاً مفاده أن كل سلوك جنسي مِثلي، أو كل سلوك جنسي خارج إطار الزواج هو سلوك غير أخلاقي. ووفقاً لبيري، فإن مقدمات “فينيس” العقلية ليست بالقوة المنطقية التي تسلم للنتائج التي وضعها!

الانغلاق والانفتاح

في المقابل يقرر الكتاب في عدة مواضع، وبأساليب مختلفة؛ أنّ الخطاب الديني في الثقافة العامة ليس أقل حوارية في أفضل أحواله من النقاش العلماني في أفضل أحواله، كما أن الخطاب الديني في أسوأ أحواله ليس أكثر انغلاقاً ذهنياً وعقائدياً (منولوجية) من النقاش العلماني في أسوأ أحواله أيضاً. فالخلافات الشديدة التي تبرزها حوارات الخطاب الديني في الولايات المتحدة لا تقل شدةً وتطرفاً عن تلك التي أفرزها الخطاب العلماني هناك!
ووفقاً لتحليلات بيري ومناقشاته؛ فإنّ الخطاب الأخلاقي المبني على الدين ليس دوماً طائفياً أكثر من الخطاب العلماني؛ بل يمكن أن يكون أقل عنصرية. وحتى إذا كان الخطاب الأخلاقي المبني على الدين دائماً أكثر طائفية من الخطاب الأخلاقي العلماني؛ فإن القاعدة المهمة التي ينبغي أن تظلّ مطروحة هي أن الخطاب الديني الطائفي يستطيع أن يسهم إسهاماً قيّماً في النقاش حول قضايا أخلاقيه صعبة، كالمثلية والإجهاض!
لذا فإن تقديم الطرح الديني في أي مجتمع ليبرالي متعدد يحتاج إلى شيء من الكياسة من أجل تمرير نفسه، إذ يجب على الرؤى والقيم والأطروحات المبنية على الدين، في مرحلة ما، أن تُقدّم بصورةٍ مقنعة للجمهور المدني الأوسع. وبطريقة يستطيع الجمهور تقييمها، ومن ثمّ قبولها أو رفضها.

العربي الجديد
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.