العلاَسْ الإداري :الصورة المخفية للفساد- د.محمد مرعي مرعي

تردد مؤخراً مصطلح جديد يتداوله الأخوة العراقيون في حياتهم الصعبة جداً منذ الاحتلال الأمريكي لبلادهم ، وأوردته صحيفة الحياة ، ألا وهو(العَلاَس)، الكلمة التي تدل على صفة الشخص الذي يجمع المعلومات عن الأشخاص الآخرين ، الذين سيتم خطفهم أو قتلهم ، كما يقوم بأعمال التحري عن أسماء المستهدفين وعناوينهم ووضعهم المالي وأماكن تواجدهم وأعمالهم، ليحصل بعد أداء مهماته على مبالغ قد تفوق مرتبات رجال العلم والأكاديميين ورجال الأعمال .
ويتطلب تنفيذ ذلك الدور أن يكون لدى كل شخص نافذ أو مجموعة أو عصابة (عَلاَسْ) يتولى تنفيذ أعمال الرصد ، أي يؤدي دوره كحلقة الوصل بين الجاني والمجني عليه ، ويرشح من يراه مناسباً ليكون الضحية القادمة .
و(العَلاَسْ) تعبير يعود إلى عقود طويلة في العراق الشقيق،ويشير إلى كل من يعمل سراً مع شخص أو جهة أو طرف ما، يجمع له المعلومات مقابل مزايا يحصل عليها لقاء دوره، و ( العَلاَسْة ) هم مجموعة من (العَلاَسْ ) يؤدون أدواراً متماثلة في الأماكن المختلفة، و ( المُنْعَلِسْ )هو ضحية ( العَلَسْ ) أي الذي ( َينْعَلِسْ ) أو من يذهب في خبر كان .
ولدى رجوعي إلى المعجم الوسيط تبين أن ( َعلَسَ تعني أكل وشرب ، وعلَسَ الرجل َصخِب ، و(العَلْسْ ) ما يؤكل ويشرب ، و( العَلْسّيْ ) هو الرجل الشديد .
وهكذا ، يدل المصطلح على ما يؤكل ويشرب ، وكذلك على الصخب ،وعلى الرجل الشديد . لكن المعاني الشعبية أعطته دلالة أكبر و ذات منحى سلبي كونها تصف الشخص الشديد الصاخب الذي يلتقط الآخرين و يصطادهم و يضحي بهم لقاء منفعة ما .
أوردت هذه المقدمة بغية عرض الواقع الذي تعيش في لجاجاته الإدارات والمؤسسات ، التي تضم بين زواياها ومكاتبها وحول أسوارها طوابير من( العَلاَسْة) الذين ( َيعْلِسُونْ ) رؤسائهم وزملائهم بل ومرؤوسيهم (علْساً) ليصبحوا في عـــداد ( المُنْعَلِسِينْ )، الذين تلاحقهم أسواط الرقابة بأشكالها المختلفة .
من حق كل رئيس إداري أن يمارس الرقابة في مؤسسته لأن الرقابة تمثل إحدى الوظائف الأكثر أهمية للمديرين ، وهي حقاً الوظيفة التي تعكس السير الصحيح للمؤسسة والأداء المأمول منها. لكن الرقابة أضحت تمارس في المؤسسات الناجحة من خلال مؤشرات علمية ترتبط بالأهداف المحددة وعبر الكشف عن مدى المطابقة القانونية والمالية للنشاطات والمهام المنفذة مع ما هو محدد ونافذ.
لكن في مؤسسات وإدارات الدول التي تنأى عن السير في خط التقدم والنجاح يتبع بعض مسؤولي تلك المؤسسات أساليب وضيعة في الرقابة تقوم بشكل أساسي على أداء ممارسة أدوار وسلوكيات ( العَلاَسْ ) للنيل من رؤسائهم وزملائهم و مرؤوسيهم ، ويقودهم الوهم وأحياناً الحقيقة ، بأن أفعالهم وسلوكياتهم تلك تمثل الجسور التي تصل بهم إلى أرفع المستويات الإدارية.
لقد ذكر لي أحد المسؤولين في رئاسة مجلس الوزراء( في سوريا عام 2007 ) أن فرض إجراء جديد يلزم بتحديد هوية من يقدم تقارير بآخرين – التي يسميها البعض شكاوى تلطيفاً لوقع الكلمة – قد قلص عدد تلك التقارير /الشكاوى من (10 ) آلاف إلى (3)آلاف سنوياً .
لكن، مما يؤسف له أن بعضاً من القادة الإداريين الذين يتولون مراكز قيادية جديدة يعملون من بداية مسك مسؤولياتهم إلى استقدام أعوان لهم يوزعونهم على كافة المفاصل الإدارية الأساسية ، و َيكنسون بتعبيراتهم الخفية من كان يشغل تلك المواقع قبل قدومهم إلى سدة المسؤولية ، ليحيلونهم إلى مواقع هامشية .
تلك الأفعال والسلوكيات تزرع أرض مؤسساتهم ( بالعَلاَسْة ) الإداريين الذين بدورهم يختارون ( َعلاَسْة ) من مستوى أدنى لأداء الأدوار نفسها ، وهؤلاء أيضاً يختارون (علاَسَهُم ) إلى أن تصبح تلك المؤسسات أوكاراً وأعشاشاً من ( العَلاَسْة ) الذين يكمن همهم الأول في جمع المعلومات وتقديمها إلى من سماهم في مواقعهم بدلاً من تنفيذ المهام الموكلة إليهم والتي يتقاضون أجورهم على أساسها .
وفي ظل غياب معايير موضوعية ومقاييس تحدد مؤشرات اختيار القادة الإداريين بل الرؤساء الإداريين في المستويات المختلفة ، فإن التربة تصبح خصبة جداً لإنبات (العَلاَسْ) واستزراعهم وإثمار أفعالهم ، بحيث يغدو هؤلاء من يقدم المعلومات المضللة التي تؤخذ كحقائق ، وترفع إلى من يهمه الأمر لاتخاذ القرار استناداً إليها .
وهكذا يؤدي العَلاَسْة الإداريون أدواراً فظيعة تقوم على الإمعان في الإساءة والأذى والضرر من أجل ضمان وجودهم في مواقعهم الإدارية الكبيرة أو الصغيرة التي تدر عليهم بعض المنافع في مقابل المصائب أو الضحايا التي تسقط جراء أفعالهم وسلوكياتهم .
وعندئذ، تبدأ اللعبة الجهنمية في المؤسسات : المسؤولون الإداريون الذين تم اختيارهم دون استخدام معايير موضوعية يعيشون هاجس الرعب من فقدان الكفاءة لكن يمتلكون بالمقابل السلطة في استخدام من يريدون لأداء دور (العَلاَسْ الإداري ) .
والموظفون الذين تغيب في مؤسساتهم أسس تقييم الأداء والترقيات والحوافز يسعون إلى أخذ مواقع لهم بكافة السبل ولو أدوا دور (العَلاَسْ) لمصلحة رؤسائهم الإداريين أملاً في الحصول على مكاسب أو مزايا أو لنيل الحماية جراء أخطاء ارتكبوها أو سيرتكبونها خلال ممارسة مهامهم .
هكذا، يصبح ( العَلْسْ الإداري ) أحد ركائز الممارسة الإدارية اليومية في المؤسسات ، والمطلوبة للرئيس والمرؤوس بالوقت نفسه ، لأن وجود طرفيها مرهون باستمرارها .
ينتشر الفساد الإداري في المؤسسات والإدارات بأشكال مختلفة ، لكن أسوأ أشكاله هو ( العَلاَسْ ) الذي يتضمن ليس فقط التخريب في المؤسسات ،والإساءة للذات عبر تجريدها من سماتها الإنسانية ، بل ممارسة سلوك الضرر وأحياناً الإجرام بحق أشخاص آخرين لم يرتكبوا ذنباً ، مدفوعين بجاذبية بعض المنافع التي تذهب ومعهم .
ملاحظة :يعرف كل متابع وملاحظ ومنخرط في الإدارات السورية على امتداد ( 50 ) عاما ، أن تلك الإدارات كانت تقوم على أسس (العلس الإداري) بمكوناته وشخوصه ونتائجه ، وبذلك تحقق الهدف : تدمير المؤسسات والإدارات وبنى الدولة والمجتمع ومنظومات القيم لدى الشعب وتحقّق تخريب كل شيء .
لكن في إدارة الائتلاف وملحقاته وأجهزته ، تم ممارسة تلك الصفات الموروثة المكتسبة وأفعالها الشنيعة عن عمد . لقد اعتمد من أدار تلك الأجهزة من اللحظة الاولى استخدام (العلس الإداري) عبر توظيف رخيصي القيمة والشرف والضمير ليكونوا (علاسين) لمن يدير تلك الأجهزة حتى أصبح ذلك الاتئلاف وأجهزته كفيروس
( ابيولا ) الذي يفتك بالشعب السوري وحياته ومصيره ، لكن بالمقابل يقول من يدير تلك الأجهزة : لقد انتصرنا ، تم تخريب كل شيء لكننا ربحنا مناصب وأموال وعلاقات خارجية …
د.محمد مرعي مرعي
عميد المعهد العالي للتنمية الإدارية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.