العصيان المدني.. شكل رئيس من أشكال النضال اللا عنفي

العصيان المدني ظاهرة لا يمكن أن توجد إلا داخل نظام ديمقراطي يتيح إمكانية الضغط المتواصل عليه حتى لا يحيد عن مساره في السعي إلى مزيد من الديمقراطية.

الأيام السورية

يتألف النضال اللا عنفي من ثلاثة أصناف: أولها هو التظاهر والإقناع، وهو يشمل تسيير المظاهرات والتجمعات العامة، وله أدوات مثل اللافتات، الشموع، الزهور، والصنف الثاني هو العصيان، أو الامتناع عن التعاون أو عدم الطاعة، وهو سلوك استراتيجي متعمد يرفض التعاون مع الظلم، والصنف الثالث هو التدخل اللا عنفي وهو سلوك لا عنفي متعمد يستخدم غالباً التدخل المادي لمواجهة موقف أو حدث ظالم، مثل: الاعتصام، احتلال المواقع، المرابطة حول الأشجار، الإضراب عن الطعام، الإضرابات، والتجمعات والعرائض والتواقيع، الامتناع عن دفع الضرائب، العرقلة، الحصار، الامتناع عن الخدمة العسكرية، والمظاهرات العامة هي بعض الوسائل التي تم اعتمادها في الحركات اللاعنفية، وسوف نقوم بالتعربف بأهم ما تشتمل عليه هذه الأصناف.

العصيان المدني

يعرّف العصيان المدني بأنه الرفض المتعمَّد والعلني والسلمي لطاعة الأوامر أو القوانين الظالمة التي تسنّها أو تطبقّها سلطة تنتهك الحقوق العامة للشعب، أو تقصّر في تحقيق مصالحه، أو تنتهك الأهداف الأساسية والقيم الحاكمة لنظامه الدستوري.

والعصيان المدني على الصعيد الفردي موقف مبني على جملة من القيم أساسها رفض الظلم والخضوع للطغيان، ويصب على الصعيد الجماعي في تحرك سياسي يتسم بالوقوف الثابت والمنظم والعلني والمتواصل في وجه كل القوانين المضادة للحقوق الشرعية للفرد والمجتمع.

ويعمل العصيان على تعطيل هذه القوانين الجائرة وإزالتها بكل الوسائل السلمية دون غيرها، من خلال الامتناع عن تنفيذ أوامر السلطة والتوقف عن دفع الضرائب ورسوم الجمارك والموارد المالية الأخرى.

أسباب الاعتماد عليه

اعتمدت شعوب كثيرة -في مقاومتها السلمية لأنظمة الطغيان والاستبداد والفساد- على فعاليات وآليات العصيان المدني في التعبير عن مطالبها الحقوقية والدستورية، واحتجاجها على تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ومساعيها السلمية للتغيير السياسي من أجل نيل حقوقها السياسية والاقتصادية وإطلاق الحريات العامة، وإلغاء المحاكم والقوانين الاستثنائية واستقلال القضاء، والحفاظ على حقوق الإنسان ومنع التعذيب، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

ويرى باحثون سياسيون أن العصيان المدني ظاهرة لا يمكن أن توجد إلا داخل نظام ديمقراطي يتيح إمكانية الضغط المتواصل عليه حتى لا يحيد عن مساره في السعي إلى مزيد من الديمقراطية، بل ويقول بعضهم إنه مفهوم أميركي حتى النخاع مذكّرين بروح إعلان الاستقلال الأميركي عام 1776.

شروط العصيان المدني

يحيل المفهوم إلى جملة من الشروط تلازم طبيعته وهدفه، مثل:

1/ ضرورة التزام خصائص التمدّن من كياسة مع الخصم واستعداد للحوار.
2/ أن يكون العصيان غير مسلح.
3/ تجنب مناهضة قوانين عادلة أو توخي غايات إجرامية من وراء عصيانها.

نشأة مفهوم “العصيان المدني” وتطوره

يرى دارسون أن مفهوم “العصيان المدني مرّ بثلاث محطات رئيسية: المحطة الأولى؛ هي ولادة المصطلح على يد الفيلسوف والشاعر الأميركي هنري ديفد تورو (1817-1862)، الذي كان من أكبر المناهضين للعبودية في بلاده (المكسيك)، وسخّر حياته للدفاع عن العبيد الفارين، وهو أول من استعمل المصطلح ونظّر له في كتابه الشهير “العصيان المدني”.

المحطة الثانية؛ هي تأثرُ الزعيم الهندي المهاتما غاندي بأفكار ديفد تورو ومحاولته تطبيقها عبر ملاحم مقاومة معروفة، منها مطالبته عام 1906 العمال الهنود جنوب أفريقيا برفض إعطاء بصماتهم تطبيقا لقانون عنصري.

ومن ذلك أيضا دعوته عام 1930 مواطنيه الهنود إلى مقاطعة الملح الذي كانت جبايته مصدرا هاما لخزانة السلطات الاستعمارية البريطانية، فقاد الجماهير نحو البحر ليستخرجوا منه ملحهم، ثم أتبع ذلك بصرخته المعروفة: “غادروا الهند” التي انتقل بها من رفض القوانين الاستعمارية إلى المناهضة السلمية للاستعمار نفسه.

المحطة الثالثة؛ هي معركة الحريات المدنية التي قادها الزعيم الأميركي الأسود مارتن لوثر كنغ في ستينيات القرن العشرين برفض الانصياع للقوانين العنصرية للولايات الجنوبية في أميركا.

مصدر  (جيمس سكوت، المقاومة بالحيلة)، (محمد حسام الدين، ساخرون وثوار) (مهند نجار، السخرية بوصفها مقاومة سياسية) (موقع معابر، موقع حفريات، الحوار المتمدن، معهد العالم للدراسات)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.