العدالة والعنف.. مفهوم مدني وليس ثأريّة قبليّة

حول العدالة والعنف، الثأر القبل والمدنية، وثنائيات متضادة كثيرة، تمر كثيراً في ثنايا الحوار بين السوريين، الصديق خالد علوش يناقش الصديق أحمد بغدادي في مادة نشرتها الأيام قبل أيام، وإذ تنشر الصحيفة الرد فهي تسعى لفتح حوار مستفيض حول هذه الثنائيات، وتعلن أن صفحات الموقع مستعدة لاستقبال مساهماتكم في هذا الحوار.

الأيام السورية؛ خالد علوش

قرأت منذ أيام مقالاً على موقع “الأيام السورية”، يسرد كاتبه تحليلاً سياسياً حول سوريا، ولست ممن يهتم كثيراً بصحة أو عدم صحة هذه الآراء السياسية، لأنّ طبيعة الخطاب الذي أهتم به بشكل عام، هو في كثير من الأحيان يتمركز في تفاصيل أخرى، تثير اهتمامي، وأفهم من خلالها الآلية التي يستند إليها الوعي الثقافي والشعبي.

يقول الكاتب في البداية بأنه يحلم أن يكون مصير بشار الأسد، هو نفس المصير الذي لاقاه معمر القذافي، لكن ليس بأيدي الفصائل المسلحة إنما بأيدي أبناء وأمهات الشهداء، ثم إعدامه في ساحة عامة.

هذا الخطاب في مضمونه، يحتمل جانباً من العدالة التي يطالب بها أي إنسان عانى من حاكم مثل بشار الأسد ومن أنظمته الأمنية الفاشية بحق المواطنين، وجرائمهم التي لا تُغتفر قطعاً، لكنه ببساطة ليس العدالة، رغم ما حاول الكاتب إيحائه من أن يكون سلوكاً عاطفياً انتقامياً للتغطية غير المباشرة على فكرة الثأريّة القبليّة التي لا تمت إلى أي نوع من أخلاقيات العدالة.

هناك سؤال بديهي لكل شخص معارض لنظام قمعي في العالم، ما هو المعنى من تحقيق العدالة؟ وما هو شكل العدالة؟ وهل يجب أن يرتفع إحساسنا الممتعض خلال سنوات طوال من تلك الأنظمة أن نمارس تجاهها ما كنا ننقده دائماً فيها؟.

هناك سؤال بديهي لكل شخص معارض لنظام قمعي في العالم، ما هو المعنى من تحقيق العدالة؟ وما هو شكل العدالة؟ وهل يجب أن يرتفع إحساسنا الممتعض خلال سنوات طوال من تلك الأنظمة أن نمارس تجاهها ما كنا ننقده دائماً فيها؟.

هنا لا أتحدث عن مبدأ العين بالعين والسن بالسن، ولا أحاول تبرئة أحد، لكني أريد القول أنّ حضارية الاقتصاص هي الأهم، رغم أنها قد لا تلبي إحساسنا الأليم والمحترق من التجربة ومرارتها، عملية ترسيخ القانون العادل والارتقاء بفعل القصاص هو الهدف لبناء عالم أفضل وليس أن نمارس الهياج الشعبي تحت اسم العدالة؛ ببساطة هذه لا اسم لها سوى همجية قبليّة ثأريّة، هناك معنى أعمق للقصاص من موت الظالم، وهو ترسيخ وعي حضاري للعدل.

لذا فكانت مشكلتي الشخصية مع الكاتب تنبع من هذه الزاوية، وبطريقة ما أرى ما قاله في مقدمة مادته ليس أكثر من ضباب عاطفي ومغالطة منطقية لمفهوم العدالة، وجرّها نحو مستنقع من البدائية لا نطمح له كمعارضة تسعى لبناء مفاهيم اجتماعية حضارية، قبل أن تسعى لبناء وطن.

المشكلة بأنّ هذا الخطاب ليس حكراً على شخص قاله في مادة تحليل سياسي عاطفي، بل هو منهجية ثقافية مرسّخة في وعي اجتماعي عنيف تاريخياً؛ فكرة القصاص بالطريقة نفسها التي مارسها الظالم على الناس، هي وليدة هذا التاريخ، من خلال التعابير الدينية.. “السارق تُقطع يده، والزاني يُرجم، والقاتل يُقتل” بالطريقة المشابهة نسبياً لما فعله، حتى في فكرة الانتحار نلاحظ هذا التعبير النبوي في الحديث: “من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جنهم خالداً فيها أبداً. ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحسّاه في نار جنهم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً”.

واحدة من معضلات الثورة السورية، هو هذا الاندفاع العاطفي غير المحسوب في نتائجه أو ما يمكن أن يتراكم فيه من تشوهات ثقافية ونفسية لن تبني بلاداً، بل تُغرقنا أكثر في مستنقعات الجهل العقلي أمام منطقية الفعل الأخلاقي الذي يميز الإنسان دائماً وأبداً.

عملية تكرار المشابهة الصورية لتلك الأفعال، أو مقارباتها في أفضل الأحوال، هي تجسيد لذهنية العنف الثأريّة؛ والخطاب الذي يطرح هذه الرؤية من مبدأ أن أقل ما يمكن فعله لشخص قتل مئات الآلاف بالكيماوي والتعذيب هو أن يتم سحله في الشوارع، ومن مبدأ عاطفي يمكن لأي شخص قبول هذا الأمر، لكن لمجرد وضع العقلانية على المحك للارتقاء بالإنسان لنقطة أكثر حضارة، فيجب التفكير بالبُعد الأخلاقي للعدالة القانونية.

من المهم أن يشعر الجميع يوماً أن هناك قانون فعلي يقتص من ديكتاتور وعدالة تتحقق بأسلوب حضاري، عملية ترسيخ مفاهيم حقيقية للعدالة والحرية والإيمان دون أخذها لجانب ثأري متشنج، لأنها في تلك اللحظة لن يكون العالم قادراً على تمييز المستقبل كعدالة قانونية بل امتداد عشوائي لمفاهيم قبليّة نحاول منذ زمن طويل الخلاص منها لصناعة بلاد يسودها الحق والعدل والحضارة وليس تكرار المشهدية القبليّة بقوانينها الخاصة.

إن واحدة من معضلات الثورة السورية، هو هذا الاندفاع العاطفي غير المحسوب في نتائجه أو ما يمكن أن يتراكم فيه من تشوهات ثقافية ونفسية لن تبني بلاداً، بل تُغرقنا أكثر في مستنقعات الجهل العقلي أمام منطقية الفعل الأخلاقي الذي يميز الإنسان دائماً وأبداً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.