العدالة المرتقبة.. “الفردوس المفقود” للسوريين

هل العدالة تتجزّأ وتتوزّع على أشخاص بعينهم؟ نحن نسأل إذا ما كانت المحاسبة التي هي أحد أركان العدالة “ذاتها” لماذا لا يخضع لها المجرمون الكبار أمثال بوش وبشار الأسد وغيرهما من مجرمي حرب؟ وهل سوف تنفع عدالة مجزّأة تطال فقط بعض “أكباش الفداء”، لإرضاء شرائح معينة من ضحايا الشعوب!؟

أحمد بغدادي

لم تزل مصائر الشعوب المقهورة والتي ترزح تحت وطأة الاستبداد والأنظمة الدكتاتورية مرتبطة بما يسمى “العدالة”! وهذه الأخيرة يروّج لها دهاقنة السياسة عند القوى الكبرى، ولهم في ذكر نتائجها الإيجابية الكثير؛ فقط عبر المؤتمرات، والأقنية الدبلوماسية، فضلاً عن تشدقهم بها كل يوم -أي ما تتمخّضه العدالة من أفعال وعوامل تفضي إلى إنصاف الضحايا.

حتى هذه الأيام، لم نرَ نحن السوريين أية أفعال وعوامل نتجت عن قرارات دولية أدّت إلى إيقاف القتل والاستبداد في سوريا، رغم أنه، وكل يوم تنادي وتتغنّى الأمم المتحدة والدول “الديمقراطية” ومنظمات حقوق الإنسان الدولية بضرورة انتشال الشعب السوري من المقتلة، ومحاسبة القتلة، وكبح جماح الظلم الواقع على الأبرياء المدنيين؛ هذه النداءات ليست إلا أكاذيب عرفناها سابقاً في العراق، عندما صدّع الأمريكيون والبريطانيون رؤوسنا في الديمقراطية القادمة للعراق، بعد إسقاط نظام صدام حسين.. وها هو العراق، ينعم بالخراب وتسرح فيه الميليشيات، وتُجز عنقه بسكين إيران الطائفية. في المحصلة، تختلف أنواع “العدالة” من بلد لآخر، خاصةً لدى أصحاب القرارات الدولية: من يتحكمون بخيوط النظام العالمي، ويتعاملون مع الحروب فقط عن طريق إدارتها، لا إيقافها، وأيضاً، بحسب المصالح الاقتصادية (النفعية) في تلك البلدان التي تشهد حروباً أو تخرج منها.

هذا المفهوم الذي ورثته الأجيال [العدالة الانتقالية] عقب الحرب العالمية الثانية، لم يحقق شروطه وبنوده الموضوعة بشكل كلّي، أي من الناحية القضائية، فهنالك الكثيرون من القتلة ومجرمي الحرب، لم تتم محاسبتهم في بلدان عدة خاضت حروباً، وصراعات أهلية! وعلى سبيل المثال؛ ثمة رؤساء دول ومسؤولون كبار ما زالت جرائمهم “ساخنة” والكوارث التي تسببوا فيها قائمة حتى هذه الأيام: منهم الرئيس الأمريكي “جورج بوش الابن”، الذي دمّر شعباً بأسره، وقتل مئات الألوف من العراقيين، ومزّق العراق؛ طبعاً كل هذا خارج قرارات مجلس الأمن، ولم تتم مساءلة جندي واحد من الجيش الأمريكي، بل عادوا إلى بلادهم على أنهم محررون وأبطال!

فهل العدالة تتجزّأ وتتوزّع على أشخاص بعينهم؟  نحن نسأل إذا ما كانت المحاسبة التي هي أحد أركان العدالة “ذاتها” لماذا لا يخضع لها المجرمون الكبار أمثال بوش وبشار الأسد وغيرهما من مجرمي حرب؟ وهل سوف تنفع عدالة مجزّأة تطال فقط بعض “أكباش الفداء”، لإرضاء شرائح معينة من ضحايا الشعوب!؟

دمّر “بوش” العراق، وأهداه للإيرانيين والفاسدين من العراقيين، ولم تتطرّق محكمة الجنايات الدولية أو الأمم المتحدة، حتى “همساً” إلى إحالة ملفات الإجرام إلى القضاء لتحاسب بوش أو توني بلير على ما فعلاه في العراق من جرائم! والأمثلة كثيرة، موجودة في عالمنا العربي والإسلامي، منهم طغاة النظام السعودي وجرائمهم بحق أبناء شعبهم، وما نراه في مصر أكبر دليل على أن العدالة تطبّق فقط على بعض “الصغار”، وتنأى بنفسها عن قتلة مأجورين ووظيفيين كــ الانقلابي، عبد الفتاح السيسي!

أما عن بشار الأسد، فجميعنا يعرف أن هذا الطاغية مختلف عن غيره من الطغاة والمجرمين. هو ونظامه وحلفاؤه، وصل فيهم الأمر أن يتجاوزوا كل القوانين الدولية والأخلاق والأعراف، ويتحدون قرارات دولية، وقوانين قضائية وضعت كي لا تُخترق! طبعاً، أمام أعين كبار رجالات القانون والسياسة، وبقبول تام من واشنطن وما تسمى “إسرائيل”!

نظام بشار الأسد على دراية تامة بأن ما يقوم به من مجازر وانتهاكات لا تحصى، وخاصة بعد عشر سنوات من القتل والدمار بحق الشعب السوري، لن يحرّك المجتمع الدولي شبراً واحداً تجاه محاسبته. هذا ما خبره جيداً من تواطؤ الجميع معه في الثورة السورية!  حيث إن روسيا تقف أمامه وخلفه؛ تحميه على كافة الأصعدة، وفي ذات الوقت تتفاوض مع الأمريكان على ملفات أخرى، [مصالح اقتصادية مشتركة] في سوريا، فضلاً عن ملف أوكرانيا، وتحجيم إيران في الأراضي السورية، الذي يُعتبر مطلباً إسرائيلياً.

إن المئات من المنظمات الحقوقية والإنسانية، علاوة على هيئات الأمم المتحدة، ودول أعضاء في مجلس الأمن، ليس بمقدورهم إيقاف روسيا عن استبدادها و”تشبيحها” أمام قرارات مجلس الأمن الدولي في إدخال المساعدات الإنسانية (الغذائية والطبية) إلى سوريا، لملايين المتضررين منها ومن نظام الأسد!؟ … هنا، نقول: أين العدالة؟

تتشابه الحروب في نتائجها المأساوية، وتختلف في ضحاياها عبر التاريخ المعاصر، لكن، ما حلّ في سوريا، ليس له شبيه على الإطلاق؛ شعب بحاله يُباد من قبل “رئيسه وجيشه”، دون أن تتحرك ضمائر العالم، أو القوى الكبرى لإنقاذه وتقديم القتلة إلى العدالة والمحاكم، فهذه من ثامن العجائب، والأساطير التي تحققت عبر دماء السوريين!

متى ينال السوريون حريتهم وتتحقق أمامهم العدالة المنشودة التي أصبحت “فردوساً مفقوداً” تبحث عنه الأمهات الثكالى، والأيتام، والمعتقلون، وحتى أرواح مئات الألوف ممن قتلوا في سوريا، أو غرقوا في البحار وهم يبحثون عن الأمان وحياة أفضل؟

من الضروري النظر في التجربة السورية، وشروط عدم تحقيق العدالة للشعب السوري إلى الآن، عندها، سنجد أن هذه المقتلة المستمرة اشترك فيها الكثيرون من دعاة الحريات والديمقراطية، بل كانوا عوناً لنظام الأسد في تدمير سوريا، وتهجير الملايين، وتمزيق النسيج الاجتماعي السوري لمصالح دولية عديدة، منها مصالح السرطان الأول في الوطن العربي والعالم، المتمثل في “إسرائيل”.

نهايةً، ليس سراً أو من المحرمات القول إن الثورة السورية جنحت إلى الخراب في مراحل من خلال تآمر الجميع عليها لصالح نظام الأسد، إنما هناك أيضاً من وصفوا أنفسهم بقادتها وأبنائها، كانوا أكثر فتكاً بأهداف الثورة من غيرهم، وهذا أيضاً يضاف إلى عوامل وأسباب تأخر العدالة، وتحقيق الأهداف الكبيرة والسامية للثورة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.