العدالة الانتقالية، المصطلح، الأهداف وآليات التطبيق

العدالة الانتقالية مقاربة لتحقيق العدالة في فترات الانتقال من النزاع أو قمع الدولة، وذلك من خلال محاولة تحقيق المحاسبة وتعويض الضحايا، حيث تقدّم العدالة الانتقالية اعترافاً بحقوق هؤلاء الضحايا وتشجّع الثقة المدنية، وتقوّي سيادة القانون والديمقراطية.

الأيام السورية؛ سلام محمد

يشير مفهوم “العدالة الانتقالية” إلى مجموعة التدابير، بعضها قانوني وقضائي، بهدف معالجة إرث ثقيل من انتهاكات جسيمة حقوق الإنسان لتمكين مجتمع معين من أسباب الاستقرار والسلم الاجتماعي بعد حقبة من الحرب الأهلية أو الحكم الدكتاتوري.

تعريف العدالة الانتقالية

كما تعرّف العدالة الانتقالية بأنها مقاربة لتحقيق العدالة في فترات الانتقال من النزاع أو قمع الدولة، وذلك من خلال محاولة تحقيق المحاسبة وتعويض الضحايا، حيث تقدّم العدالة الانتقالية اعترافاً بحقوق هؤلاء الضحايا وتشجّع الثقة المدنية، وتقوّي سيادة القانون والديمقراطية.

كما تُعرف بأنها مجموع الآليات والمسارات القضائية وغير القضائية الهادفة إلى مساعدة مجتمع شهد حكماً دكتاتورياً أو نزاعاً على التعامل مع ماضيه وإعادة بناء دولة القانون.

نشأة المصطلح وتاريخه

تعدّ محاكم نورنبيرغ (1945)، أصل مفهوم العدالة الانتقالية ، فقد عمدت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية إلى توسيع نطاق آليات القانون الجنائي في حينها، لتُمكن من محاكمة قيادات عسكرية وسياسية بعينها في النظامين النازي والياباني، لإبراز الجانب الجنائي والحقوقي في تجاوزات الأنظمة المهزومة، مما كان له أثر حاسم في تعزيز الوعي الحقوقي على المستوى الدولي، وبروز فعاليات مؤسسية على المستوى الدولي جعلت القضية الحقوقية عبر العالم قضيتها الأولى، غير أن المكاسب المحققة في المجال الحقوقي على المستوى الدولي، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، هي الأهم في التاريخ الحديث والمعاصر.

ويعود الفضل الأكبر فيها إلى الحركة الحقوقية التي نشأت في الخمسينيات، منطلقة من دروس تلك الحرب العالمية وتلك المحاكم، وازدهر مفهوم العدالة الانتقالية وأصبح حقلا مستقلا للبحث في القانون الدولي مع تجارب الانتقال الديمقراطي في أوروبا وأميركا الجنوبية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، من مثل محاكمات أعضاء النظام العسكري في اليونان (1975) والأرجنتين (1983).

تطور المصطلح

كان مصطلح “العدالة الانتقالية” مجرد مصطلح وصفي. لم يكن يشير إلى وجود نهج موحد أو حتى مبادئ مشتركة، كما يُمكن أن يرى من المجموعة الكبيرة من الدول المختلفة التي حاولت أو لم تحاول التصدي لانتهاكات.

وحمل المصطلح ثقلاً، خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب الاهتمام الكبير بالطريقة التي تعاملت بها بلدان الكتلة السوفياتية السابقة مع إرث الاستبداد.

في تسعينات القرن الفائت، صاغ عدد من الأكاديميين الأمريكيين هذا المصطلح لوصف الطرق المختلفة التي عالجت بها البلدان مشاكل وصول أنظمة جديدة إلى السلطة ومواجهتها للانتهاكات الجسيمة أسلافها.

كان مصطلح “العدالة الانتقالية” مجرد مصطلح وصفي. لم يكن يشير إلى وجود نهج موحد أو حتى مبادئ مشتركة، كما يُمكن أن يرى من المجموعة الكبيرة من الدول المختلفة التي حاولت أو لم تحاول التصدي لانتهاكات.

وتطورت المناهج في أواخر وبدء الألفية الثالثة على أساس الاعتراف بمبادئ حقوق الإنسان والإصرار على أن انتهاك الحقوق لا يمكن تجاهله، وارتبط مع هذه الفكرة تتبع أنواع معينة من الآليات، مثل الملاحقات القضائية، وتقصي الحقائق (أو “البحث عن الحقيقة”) والتحقيقات، وبرامج جبر الضرر، ومبادرات الإصلاح باعتبارهم أكثر الوسائل فعالية لإنفاذ مبادئ حقوق الإنسان.

الأسس والتدابير

إن ممارسة العدالة الانتقالية تتضمّن عددا من الأسس والتدابير، ومنها:

1/ الملاحقات القضائية، وكشف الضالعين في الانتهاكات.
2/ لجان الحقيقة للكشف عن حقيقة الانتهاكات.
3/ برامج جبر الضرر، وتعويض الضحايا والاعتذار أحيانا من قبل الدولة إذا كانت الجرائم ذات طبيعة عرقية.
4/ أشكال متنوّعة من الإصلاح الإداري والمؤسسي بما يُمكّن من ضمان عدم تكرار الانتهاكات.
5/ تكريم الضحايا من خلال تخليد ذكراهم بإقامة نصب تذكاري، وإطلاق أسماء الضحايا على المدارس والساحات والشوارع وتدريسها في المنهاج المدرسية.

أهداف وغايات

ترمي العدالة الانتقالية إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها:

1/ القطيعة مع الإفلات من العقاب.
2/ ترسيخ ثقافة المسؤولية الجنائية لدى الدولة ومؤسساتها، وكذلك لدى الأفراد؛ فهي تشمل الرئيس والشرطي دون تفرقة إلا في حجم الانتهاكات المرتكبة ومستوى المسؤولية.
3/ تعزيز الديمقراطية ودولة القانون القائمة في الأصل على ربط المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة.
4/ العدالة الانتقالية مع صرامتها لا تسعى إلى العقاب في جوهرها، وإنما إلى تحديد المسؤوليات وجبر الضرر وإعادة الثقة للضحايا في الدولة والمجتمع وفي قدرتهما على حمايتهم، وهي قيم حيوية للتماسك الاجتماعي والاستقرار.

الأهداف التكاملية

وقد تشتمل على:

1/ إنشاء مؤسسات خاضعة للمساءلة واستعادة الثقة في تلك المؤسسات.
2/ جعل الوصول إلى العدالة ممكناً للفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع في أعقاب الانتهاكات.
3/ ضمان أن النساء والمجموعات المهمشة تلعب دورا فعالاً في السعي لتحقيق مجتمع عادل.
4/ احترام سيادة القانون
5/ تسهيل عمليات السلام، وتعزيز حل دائم للصراعات.
6/ إقامة أساس لمعالجة الأسباب الكامنة وراء الصراع والتهميش

تحقيقها على مستويين

يجري تحقيق العدالة الانتقالية على مستويين:

1/ داخلي: يستوجب تحقق إرادة سياسية جادة في تحقيق العدالة الانتقالية تُلغي الحسابات السياسية لصالح التأسيس لدولة الحق والقانون.
2/ دولي: يستوجب إقامة محاكم خاصة تضطلع بالمتابعات القضائية ضدَّ الضالعين في جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وجرائم التعذيب والإبادة. وبحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فإن الدول التي تمر بمرحلة انتقالية سواء في أوقات النزاعات أو بعدها لا بد أن تحظى بمساعدة المجتمع الدولي ومجلس الأمن في تجاوز المرحلة وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ولا يجب للعدالة الانتقالية أن تتطور في “فراغ” بل ينبغي أن تتزامن مع إجراءات انتقالية أخرى مثل الإصلاح في القطاع الأمني ونزع السلاح وإعادة الإدماج. ونجاحها يعتمد على مداها وسبل تصميمها وتنفيذها وإلى أي مدى تدعمها المجتمعات.

مجزرة سربرينتشا عام 1995 أكدت أهمية محاكمة الضالعين في جرائم الحرب( الأوروبية)

أمور لا تشملها العدالة الانتقالية

ليست العدالة الانتقالية طريقة لإصلاح كل ما هو خطأ في المجتمع. ربما تساعد العدالة الانتقالية النضالات الاجتماعية والسياسية طويلة المدى من أجل تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، ولكن لا تحل محلها.

ليست العدالة الانتقالية نوعا خاصاً من العدالة مثل العدالة التصالحية أو العدالة التوزيعية أو العدالة الجزائية.، ولكنها تطبيق لسياسة حقوق الإنسان في ظروف معينة.

ليست العدالة الانتقالية عدالة “لينة”. بل هي محاولة لتوفير أكثر العدالة ممكنة في ظل الظروف السياسية في ذلك الوقت.

نماذج من تنفيذ العدالة الحقيقية

شهد العديد من الدول تطبيقات متباينة لتجارب العدالة الانتقالية؛ ومنها:

1/ جنوب إفريقيا: إثر انعتاقها من حكم التفرقة العرقية والنظام العنصري إثر عملية مصالحة داخلية عام 1994، أعقبها تشكيل “لجنة الحقيقة والمصالحة” لكتابة التاريخ اعتماداً على قصص الضحايا، وطُلب من المسؤولين عن الانتهاكات الكشف عما ارتكبوه، وصفح عنهم الضحايا، حيث تقدم نحو 20 ألف بشهاداتهم، وطلب 7000 شخص العفو.

2/ الأرجنتين: إثر انعتاقها من الحكم العسكري عام 1983، حيث تم تشكيل لجنة وطنية للتحقيق ضمت أعضاء عن المنظمات الانسانية والدينية وممثلين عن مختلف فئات المجتمع الأرجنتيني. وقد تكفلت هذه اللجنة بالبحث والتقصي حول انتهاكات حقوق الانسان التي تم ارتكابها في فترة الدكتاتورية، وتمت محاكمة مجموعة من قياديي الحكم العسكري بتهم الخطف والتعذيب والتزوير…، وصدرت بحقهم أحكام متفرقة، أعقبها عفو عام عن جميع العسكريين.

3/ أنشأ ملك المغرب محمد السادس عام 2004 “هيئة الإنصاف والمصالحة” للنظر في الانتهاكات التي ارتكبتها السلطة ضد معارضيها عقب الاستقلال عام 1956، والتي تُعرف “بسنوات الرصاص”، وتولت هذه الهيئة مسؤولية الكشف عن الحقيقة حول الانتهاكات السابقة وتقديم التعويضات للضحايا وعائلاتهم وتقديم توصيات للحيلولة دون حصول انتهاكات لحقوق الانسان مجدداً.
وهناك أمثلة أخرى في تشيلي عقب سقوط حكم بينوشيه، وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا، وبولونيا، وهنغاريا، وغيرها من دول أوروبا الشرقية حيث انتشرت دعوات القطيعة مع الماضي واستخدام العدل العقابي والتاريخي ضد من تورطوا بارتكاب انتهاكات في حق مواطنيهم.

عوائق أمام تحقيق العدالة الانتقالية

1/ المجتمعات التي تتحول من النظم القديمة إلى النظم الجديدة، ولاسيما تلك التي أسقطت نظمها الحاكمة، غالباً ما تتعامل مع هذه القضية الشائكة بإعادة النظر في ماضيها قبل أن تتمكن من بناء مستقبلها الجديد على نحو فعال.

2/ ليس من السهل تحقيق سيادة القانون والتوصل الى تفاهمات بشأن انتهاكات حقوق الإنسان السابقة والتهميش السياسي بعد انتهاء الصراع. ففي الفترات الانتقالية غالباً ما تكون المؤسسات ضعيفة أو غائبة، والموارد المالية محدودة، وهياكل الحكم تفتقر إلى القدرات.

3/ قد تسوء حالة الأمن ويعاني المواطنون من الارتياب والصدمة.

5/ جميع مجتمعات ما بعد الصراع قد لا تشعر بالميل لتكريس اهتمام متساوٍ لآليات العدالة الاجتماعية المختلفة أو قد لا تكون قادرة على ذلك.

6/ قد تؤثر الديناميات السياسية الداخلية للدول المختلفة في نوع العدالة الانتقالية الذي يمكن تحقيقه. والبلدان الخارجة من الصراع في الشرق الأوسط أظهرت في السابق اتجاهاً لعدم الرغبة في مواجهة أخطاء الماضي أثناء مسيرتها نحو بناء السلم. ففي لبنان، على سبيل المثال، اتجهت جهود المصالحة الوطنية نحو تجنب تأجيج التوترات الطائفية، مما أدى إلى عدم مواجهة أخطاء الماضي بشكل كامل.

7/ غالباً ما ينظر إلى الجهود الدولية لدعم جهود العدالة الانتقالية على أنها مسيسة للغاية، وتعبر عن المصالح الدولية في التطورات السياسية المحلية. ومع ذلك فإن الجهود الوطنية غالباً ما تكون ضعيفة بحد ذاتها ويكون الدعم الخارجي ضرورياً للسير بآليات العدالة الانتقالية قدماً إلى الأمام.

8/ الفظائع الجماعية والانتهاكات المنهجية تدمّر المجتمعات وغالباً ما يترك إرثهم أحوال البلاد هشة: قد تكون المؤسسات السياسية والقانونية مثل البرلمان والقضاء والشرطة والنيابة العامة ضعيفة وغير مستقرة ومسيسة وتعاني من نقص الموارد. وقد تتلف الانتهاكات بشدة أي ثقة تواجدت في الدولة لضمان حقوق وسلامة المواطنين. وكثيراً ما تم تتمزق المجتمعات إربا في العملية وتضعف المنظمات الاجتماعية أو السياسية بشكل كبير.

9/ قد لا تزال الأطراف التي لديها بعض الخوف من العدالة تسيطر على بعض أو معظم مقاليد السلطة.

10/ قد يكون للمجتمع المدني ومجموعات الضحايا في غاية الوضوح والتنظيم في بعض الأماكن ولكن متباينا وضعيفا في أماكن أخرى، مع أقل قدرة على ممارسة الضغط على الحكومات للعمل أو للانخراط في وسائل مجدية.

11/ قد تفتقر وسائل الإعلام إلى الاستقلال أو قد تكون مستقطبة وتدفع بروايات محددة ومثيرة للانقسام.

12/ قد يكون المجتمع الدولي على قدر كبير من الاهتمام بالبلد أو القليل من الاهتمام للغاية.

مصدر (المركز الدولي للعدالة الانتقالية)، (مدونة برنامج أبحاث النزاعات) (مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة)، (الجزيرة) (مواقع التواصل الاجتماعي)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.