العجز الجنسي اصطلاح يدلل على العبودية الاقتصادية

هل مصطلح من قبيل العجز (جنسي أو حتى أي تابع اسمي له)، يحدد آلية نفسية للإحباط المطلق وإفشاء روح الغباء في المجتمعات؟ وهل يشكل إرساءً السكينة العقلية المتبلدة اتجاه القوى التي تمارس كل أنواع الإذلال للناس.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

في أواخر القرن السادس عشر، جرت حادثة توقف عندها الفيلسوف الفرنسي ميشيل مونتين مطولاً، والحادثة باختصار، أن أحد النبلاء الفرنسيين، لم يوفّق بالممارسة الجنسية مع زوجته، فأقدم مباشرة على قطع عضوه الذكري. كان وقع الخبر على مونتين شديداً وهو ما جعله يتوقف عند رد فعل النبيل الفرنسي.

تأملات مونتين أوصلته إلى فهم عام للتفكير البشري (الذكري على نحو خاص)، أن طرائق تعاملنا مع المشكلات تعقّد المسائل، وبأن الإخفاق الجنسي مسألة طبيعية يمكن أن تحصل بسبب أو دون سبب، “لكن المشكلة أننا جعلنا عقلنا يتمثّل الإخفاق كعجز”.

في فيلم شريف عرفة “النوم في العسل”، يعرض أيضاً مشكلة مشابهة لطرح مونتين، حيث يصيب شيء غامض البلد، فيصبح الرجال غير قادرين على الفعل الجنسي. ينتج عنه مجموعة من المشاكل الهائلة والتافهة التي توقع عدد من الضحايا والأزمات واللا جدوى وعدم الإحساس بشيء، عدم العمل، عدم السعي، الجلوس كتماثيل شمعية. لم يعد هناك أي معنى لأي شيء.

بعيداً قليلاً عن المفاهيم المتمثلة بأسماء “الحق الإنساني، الغريزة، الهدف، البناء، المستقبل.. الخ”، لكن هنا يظهر سؤال بسيط، هل الإنسان بحاجة لقوة جنسية كي يبني الحضارة؟. ونتحدث هنا عن الجنس كفعل فني وليس تناسلي.

اسحاق نيوتن عاش ومات دون أن يلمس يد فتاة، بمعنى مات عذرياً أكثر طهرانية من العذراء نفسها، ومع ذلك قدّم الأساس لما نعمل عليه علمياً اليوم من خلال اكتشافاته الفيزيائية.

اسحاق نيوتن عاش ومات دون أن يلمس يد فتاة، بمعنى مات عذرياً أكثر طهرانية من العذراء نفسها، ومع ذلك قدّم الأساس لما نعمل عليه علمياً اليوم من خلال اكتشافاته الفيزيائية.

قد يقول البعض أن نيوتن حالة استثنائية خارج الطبيعة البشرية، لكن مثال نيوتن يوضح لنا أن التفكير لا يحتاج أساساً بيولوجياً للاكتفاء لينطلق بعدها للانجاز العبقري، كما يحاول بعض المتفلسفين أن يروجوا من خلال طرح نظرية أن عدم الاكتفاء الفيزيائي لا يحقق تفكيراً مغايراً؛ وبطريقة أخرى مثال نيوتن ومونتين وشريف عرفة، تضعنا عند فهم مختلف وهو المهمة الموكلة للإنسان في هذه الحياة.

إن قطع النبيل الفرنسي لعضوه هو تحديد لتاريخية فهم الشخص لمهمته الأساسية وهي الإمتاع وما ينتج عنها من ملحقات تناسلية، وبشكل غير مباشر، هو الوعي الدفين لاستمرار صيرورة اقتصادية ناتجة عن هذا الفعل بطريقة الاندفاع العفوي للطبيعة، وهي الإنجاب.

وبطبيعة الحال، عملية الإنجاب بكل ما تحمله من تقنيات فلسفية وأفكار أخلاقية ومفاهيم كالحب والعواطف، لكنها في النتيجة ليست أكثر من تحديد بديهيتها وهي أن ما يأتي للحياة ستتمثل مهمته في الجنس والإنجاب من جديد والعمل لتدوير الاقتصاد الذي لن يحقق لذلك الفرد سوى القليل مما يستحقه مقارنة بالوحش الاقتصادي الذي ينظم عملية الاضطهاد الاقتصادي والثقافي والمعرفي والإنساني له.

الوعي البشري بكل ما وصل إليه من تطور وعلوم وفنون وفلسفات لكنه ما زال غافلاً عن تلك البديهية الأكثر احتقاراً لوجوده والأكثر شراً لسلوكياته وهي استغلال فعله المندفع الحيواني لتستفيد الآلة من إنتاجه تحت مسميات الفن الأيروتيكي والتنويع العاطفي ومسميات أخرى كثيرة.

بالتشكيك دائماً بالمعلومات التي تؤثر على نظرتنا للأمور، والتفكير بأبسط القضايا، قد نصل يوماً لتغير خارطة الاستعباد البشري، وقد نتوصل لفهم أعم حول تحقيق الفعل السياسي وحتى إسقاط السلطة الهرمية بأسرها.

والصراع القائم من وراء مسميات ونظريات الاكتفاء الفيزيائي هو شرط للتفكير، أصبحت مملة وسخيفة وبوجود نماذج حية نعايشها، أن المجتمعات الأكثر انفتاحاً جنسياً لا تختلف أبداً عن المجتمعات الأكثر انغلاقاً جنسياً من حيث الدور الإنتاجي للفعل الجنسي، ولا تختلف من ناحية عبوديتهم إزاء اقتصاد يحركهم كماكينات، والتطورات الهائلة لتلك المجتمعات، ليست بسبب الأفراد الطبيعيين بقدر ما هي آلية السلطة الهرمية التي تنظّم عملية استعباد أولئك الناس.

إننا كبشر في التعامل مع الاصطلاحات الجاهزة والتي ينشرها ليس الأفراد فقط بل حتى المؤسسات العلمية من قبيل “العجز الجنسي” بدل “الإخفاق الجنسي” يحدد الدور المؤسساتي الذي تلعبه السلطات الهرمية في إقناع البشر بمحدودية فعلهم الذي لا يجب أن يفكروا خارجه.

قد تبدو المسألة في الحديث عن مصطلح من هذا النوع غير مهم كثيراً، لكنه يغيّر طريقة فهمنا لمشاكلنا وتجاوز أزماتنا الثقافية وما تترابط به أيضاً مع أزمات سياسية ودينية واقتصادية.

عندما يصبح إدراكنا بأنه ليست مهمة الكائن البشري هو فعل واحد يحدد استمرار النوع البشري بالفعل الجنسي (فني أو تناسلي) وبأن المعلومات التي تؤثر على نظرتنا للأمور يجب التشكيك بها دائماً والتفكير بأبسط القضايا، قد نصل يوماً لتغير خارطة الاستعباد البشري، وقد يؤدي أيضاً لفهم أعم حول تحقيق الفعل السياسي وحتى إسقاط السلطة الهرمية بأسرها.

في النهاية مصطلح من قبيل العجز (جنسي أو حتى أي تابع اسمي له)، يحدد آلية نفسية للإحباط المطلق وإفشاء روح الغباء في المجتمعات وإرساء السكينة العقلية المتبلدة اتجاه القوى التي تمارس كل أنواع الإذلال للناس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.