العبودية كمظهر للحرية.. حقوق النشر واستعباد الرفاهية

هل فعلا باتت رفاهية الفرد تعني قطعاً بيع وعيه لقوة اقتصادية ثقافية، تتحكم في توجيه اهتمامه لمجال معين؟. وهل باتت السيطرة على الشبكات المعرفية والتحكم بها، لا تختلف من ناحية إخفاء المادة المهمة وترويج المادة السخيفة والتجارية؟.

24
الأيام السورية؛ علي الأعرج

منذ فترة كنت أبحث عن فيلم، أقرب بطروحاته للأساطير والميثولوجيا الأزتيكية، بعنوان المكسيك البربرية؛ ولم أجد الفيلم إلا على مواقع التورنت المُلاحقة قضائياً والمحجوبة في أغلب دول العالم المتقدم. بعد تحميله ومشاهدته، وفي نقاش مع أحد الأصدقاء في أوروبا حول الفيلم، تشعّب الحديث، لنتناول مواضيع أخرى كصعوبات تحميل الأفلام، والملاحقات القضائية والقانونية إذا ما تم اكتشاف الفاعل، أو تغريم الأفراد إذا ما رفعوا مواد لديها حقوق نشر، كالمسلسلات والأفلام والكتب التي تباع على منصات كالأمازون وهولو ونتفلكس.

هذا الحديث، جعلني أتوقف قليلاً لأطرح سؤالاً: هل الخدمة الاقتصادية المُرفّهة والمقدمة من الدولة الأوروبية لمواطنها هي فعلياً تصب في حرية ذلك الفرد؟ بمعنى، هل عندما يكون لديّ حساب أمازون مثلاً لأشتري ما أشاء وأحتفظ به على حساب الإنترنت الخاص بي للأبد، يعبّر عن رفاهية فردية واقتصادية توفيرية أم ليس سوى شكل من استعباد مختلف للإنسان باسم العلاقة القانونية بين المواطن والدولة والشركات التجارية العملاقة فيما يخص المعلومات؟.

في هذه المعادلة، جميعنا يعلم أن دول العالم تنقسم لشكلين، الأول هو العلاقات القانونية كدول أوروبا وأمريكا واليابان واستراليا وكندا، والثاني هي دول الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

في مناطقنا مسألة تحميل المواد ذات حقوق النشر، لا متابعة عليها، وهي متاحة بأي وقت وبمئات الطرق، ورغم أن الموضوع يبدو مبتذلاً في عدم احترام القانون الدولي، لكن له جانب معرفي ضخم مقارنة بدول كأوروبا التي تفرض على الأفراد التعامل مع مفهوم الكتاب أو الفيلم كصيغة ترفيهية يجب الدفع المالي مقابلها، والتعامل معها كعطلة نهاية الأسبوع.

الشركات الحصرية كالأمازون والهولو لديها اعتبارات ثقافية وأجندات في ترويج أرباحها على حساب ما يُسمى رفاهية الأفراد، وتقديم مادة وترويجها كحالة أكثر انتشاراً.. كفيلم عنف تجاري أو دراما تقليدي.

إن منطق الرفاهية التي تفترضها الشركات الكبرى في التعامل مع الأفراد الأوربيين، تجعلها مسيطرة كلياً على الأداة الإعلامية التوجيهية بشكل قطعي؛ فمثلاً فيلم المكسيك البربرية، استغرق معي ما يقارب ثلاثة أيام لإيجاده وتحميله لضخامة حجمه، إنه فيلم ميثولوجيا بصورة معاصرة، ومع ذلك لم يحصل على مناقشات عالية أو تقييمات مهمة في المواقع المختصة في السينما أو بيع المواد، لأن الشركات الحصرية كالأمازون والهولو لديها اعتبارات ثقافية وأجندات في ترويج أرباحها على حساب ما يُسمى رفاهية الأفراد، وتقديم مادة وترويجها كحالة أكثر انتشاراً .. كفيلم عنف تجاري أو دراما تقليدي. إن رفاهية الفرد تعني قطعاً بيع وعيه لقوة اقتصادية ثقافية، تتحكم في توجيه اهتمامه لمجال معين.

من الصحيح طبعاً أنّ تلك المنصات توفر كميات هائلة من المواد وبسرعات كبيرة، لكن توفر النسخ الأكثر تجارة، إنّ السيطرة على الشبكات المعرفية والتحكم بها، لا تختلف من ناحية إخفاء المادة المهمة وترويج المادة السخيفة والتجارية. وعليه تصبح آلية التعامل الفردي مع تلك المنصات قائمة أصلاً على استخفاف بعقل المواطن تحت اسم الترفيه أو الثقافة، إنها تتعامل مع الوعي البشري من مبدأ عطلة نهاية الأسبوع، وليس البحث والانغماس عن المعرفة.

إن قوننة السلوك البشري بعقود مع الشركات الكبرى، يخلق حالة من العبودية المستترة تحت اسم الثقافة الكوول Cool لدى الأفراد، انزياح ذهني كامل اتجاه مفهوم رفاهية زائفة لا تخلق سوى نوع من التهميش الإدراكي للناس.

إن قوننة السلوك البشري بعقود مع الشركات الكبرى، يخلق حالة من العبودية المستترة تحت اسم الثقافة الكوول Cool لدى الأفراد، انزياح ذهني كامل اتجاه مفهوم رفاهية زائفة لا تخلق سوى نوع من التهميش الإدراكي للناس.

في حادثة فردية مع أحد الأشخاص، اشترى كتاباً من موقع عربي مدفوع شبيه بمنصة الأمازون، لم يستطع تحميل الكتاب على جهازه كملف PDF، إنما سُمِح له بقراءته على التطبيق فقط، ورغم أن الكتاب متوفر بشكل غير قانوني وبدقة عالية جداً في مواقع أخرى، لكنه كان يشعر وهو يشتري الكتاب بأنه يقوم بعمل قانوني ومكولن ثقافياً مقارنة بالبربرية التهكيرية اتجاه بعض المواد، تحت اسم احترام حقوق النشر للشركات. مع العلم أن ذلك الموقع العربي، وكثير غيره، أغلب الكتب المتوفرة عليه هي بنسب عالية كتب ميتافيزيقية ودينية تجارية وليست بحوث عليها إشكاليات معرفية أو جماهيرية. وهذا يجعلنا أن نقف عند دور هذه المواقع في ترويج أيديولوجيات معينة وليست ثقافية.

هذا الاندفاع النفسي الراضخ والمستسلم لمفهوم القانون (رغم أنه قانون استعبادي بشكل واضح)، كيف يمكن لنا فهمه فعلياً؟.

ويبقى سؤال واقعي، ما هو الضير في تهكير حقوق نشر تلك الشركات إن كانت تحمل في طياتها انغماس أكبر في المعرفة والتحليل والنقاش وليس التعامل معها من مبدأ الرفاهية! وخاصة أن تلك الشركات هي بالأصل ليست منتجة للمادة الثقافية، إنما هي تأخذ دور السمسار المعرفي الذي يزرع صورة وهمية حول الارستقراطية السلوكية السخيفة.

إن قوانين الدول الأوروبية في تحديد علاقة بين الشركات والمواطن، هي تماماً تمثّل دور الشرطي الذي يأخذ حصته من السمسار الذي تمثله تلك الشركات، عندما يخرج فرد لا يخضع لقانون اقتصادي واستعبادي للمعرفة. عملية ترويض مذهلة للإنسان وحصر تفكيره بما تبيحه تلك الدول والشركات لأفرادها من معرفة، وبالمقابل يعيش الأفراد في أوروبا أو حتى الأفراد في باقي الدول التي تريد أن تمارس تلك الحالة التماثلية مع الدول الأولى وأفرادها ليشعروا بنوع من الرقي الاجتماعي في بؤسهم، يعيشون حيواتهم مروضين تحت اسم الرفاهية.

لقد أصبح الموضوع ليس احترام قانون يفصل بين إنسان وشركة فقط، بل قبول الإنسان لآلية ذهنية مقيتة في خضوعه دون فهم لما يتحول إليه من عبودية اختيارية، تحت اسم ارستقراطية السلوك.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.