الطفولة والتعليم في سوريا بين فيروس الحرب وفيروس كورونا

في ظل كل هذا التشتت، نعود لنسأل كيف سيستفيد طلاب سورية من التعليم عن بعد؟ وإلى أي جهة تعليمية عليهم التوجه في حال توفر اللوازم التقنية الضرورية لذلك؟.

38
الأيام السورية؛ شمس الحسيني

انتهى عام 2019 بأكثر الطرق مأساوية على الإطلاق، مخلفاً للبشرية فيروساً قاتلاً ينتقل بين البشر عن طريق اللمس، الحاجة الوحيدة التي تدخل في كل تفاصيل الحياة اليومية للإنسان، والتي لا يمكنه الاستغناء عنها وممارسة الحياة اليومية دونها.

حدثت أول حالة وفاة في الصين، وكان سببها فيروس كورونا بتاريخ 9 كانون الثاني/ يناير 2020، وتتالت الحالات بعد ذلك وعمّ الذعر سائر البلاد.

ظهر فيروس كورونا للمرة الأولى خارج الصين في فيتنام ثم في ألمانيا وتسارعت وتيرة انتشاره إلى أن اجتاح العالم بأسره حاصداً أعداداً كبيرة من المصابين.

اتخذت الحكومات إجراءات سريعة لتفادي اجتياحه السريع لبلدانها، وكانت إحدى أولى التدابير إغلاق المدارس وفرض حظر التجوال الكامل في بعض الدول والجزئي في دول أخرى.

إغلاق المدارس

رغم أنّ الأطباء حول العالم أجمعوا على أن كورونا لا يشكل خطراً على الأطفال دون سن العشر سنوات، إلا أنّ إغلاق المدارس كان أول القرارات المطبقة في كافة أصقاع الأرض، ويعود ذلك إلى خطورة طريقة انتقاله المذكورة عبر اللمس أو رذاذ السعال والعطاس، ومن المعروف أن الأطفال لا يمكن منعهم من ملامسة كل الأشياء المحيطة بهم واستكشافها، كجزء من غريزة التعلم لديهم وطريقتهم الخاصة في معاينة محيطهم ومعرفته.

تسبب إغلاق المدارس بتعطيل دراسة 363 مليون طالب حول العالم بحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو).

وأكدت المديرة العامة لليونسكو “أودري أزولاي” أن المنظمة تعمل مع الدول المتضررة من أجل إيجاد ما سمته بــ (حلول تقنية) لضمان استمرارية التعليم.

وتبعاً لذلك نشرت اليونسكو قائمة من تطبيقات ومنصات التعلم المجانية على “الإنترنت” للمساهمة في سهولة استخدامها من قبل المعلمين والطلاب على حد سواء.

حصة الطلاب السوريين

ورغم كل تلك التسهيلات العالمية لمتابعة التعليم عن بعد، ما حصة الطلاب السوريين من تلقي وممارسة التعليم عن بعد؟ خاصة في ظل الوضع السوري الراهن، المتمثل في انقطاع الكهرباء المتكرر في كافة المحافظات والمدن السورية، حيث لا تتوفر الكهرباء في المنازل إلا لساعات قليلة جداً، إضافةً إلى سوء خدمة شبكات الاتصالات ومن ضمنها شبكة “الإنترنت”.

يُذكر، أن هذه الظروف، كانت تمنع الطلاب من متابعة دراستهم قبل دخول فيروس كورونا إلى المعادلة الحياتية، حيث كانت المدارس تمثّل المكان الوحيد الذي يحصل فيه الطلبة على أكبر قدر ممكن من الوقت والمتابعة لإنجاز ما يجب إنجازه تجاه واجباتهم دراستهم.

أما اليوم، فربما ينتظر الطلاب في سورية إمكانية إهدار سنة إضافية من أعمارهم، والبقاء في المنازل دون أي من الوسائل التي يمكن أن تعينهم على متابعة دراستهم حتى لو أرادوا ذلك.

هذا فيما يتعلق بالجانب التقني من المسألة، أما فيما يتعلق بالجانب البشري، فكوادر التعليم في سورية تفتقد أساساً لأي خبرة في مجال التعليم عن بعد أو ما يسمى (التعليم أون لاين).


السبورة والطبشورة ما زالت وسيلة التعليم في سوريا(أورينتاكس)

المناهج وطرق التدريس

رغم المحاولات لإنتاج طرق جديدة للتدريس، إلا أن الهيكل العام للنظام التعليمي في سوريا حافظ دائماً على الوسائل التقليدية، كالسبورة والطبشورة والاختبار الورقي باعتبارها أدوات رئيسة في التعليم.

ورغم محاولة وزارة التربية والتعليم السورية، إصدار مناهج جديدة للطلاب في كل المراحل الدراسية، غلا أن هذه المناهج لم تحظَ بالقبول لدى الأخصائيين، ولاقت الكثير من الانتقادات لدى المعلمين والأهالي على حد سواء، حتى أن الاتفاق على ضعفها شكّل موقفاً شعبياً.

وأكثر ما تميزت به هذه المناهج الدراسية الجديدة، ضعف البنيان اللغوي، حيث شابها الكثير من الضعف في بناء اللغة العربية، إلى حد وجود الكثير من الصياغات باللغة المحكية الدارجة، وهذا أمر لم يعتد عليه السوريون الذين يعتبرون اللغة الفصحى السليمة أولوية وخاصية يفتخر بها السوريون عن غيرهم من العرب لعقود طويلة.

التعليم وسلطات الأمر الواقع

تأثر التعليم بشكل مباشر بالحرب الدائرة في البلاد، حتى باتت العملية التعليمية متأثرة بشكل أو بآخر بسلطة الأمر الواقع التي تهيمن على المناطق المختلفة في سوريا. وهذا ما سيخلف آثاراً مدمرة الجيل القادم في سورية، وعلى العملية التعليمية لاختلاف المناهج وآليات التدريس.

فرضت داعش مناهج خاصة بها في المناطق التي سيطرت عليها، كما سعت الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا لفرض مناهج درسية خاصة بها، كما أن المناطق الخاضعة لسلطة فصائل المعارضة، قامت أيضاً بتعديلات كثيرة على المناهج وفرضتها في المناطق التي تسيطر عليها، ومثلها فعلت هيئة تحرير الشام في إدلب، هذا ناهيك عن المناهج الدراسية التي كان يعتمدها النظام في المناطق التي يسيطر عليها.

هذا التنوع في طرق التدريس، والمناهج الدراسية جعل الطلاب السوريين ينقسمون بين أربعة اتجاهات فعلياً، مع ما يحمله هذا الأمر من مشاكل في خلق جيل مؤطر بقيم متعارضة بل ويمكن أن تكون في بعض الأحيان متقاتلة.

هذا ناهيك عن أطفال المخيمات الذين يتبعون للمدارس المؤقتة إن وجدت وقد تفرض عليهم ظروفهم التنقل بين عدة مناطق فيضيع حقهم في التعلم مهما حاول الأهالي الإمساك بزمام الأمور.

في ظل كل هذا التشتت، نعود لنسأل كيف سيستفيد طلاب سورية من التعليم عن بعد؟ وإلى أي جهة تعليمية عليهم التوجه في حال توفر اللوازم التقنية الضرورية لذلك؟

بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسامات الجغرافية والفكرية والإيديولوجية واجتماع كافة أطراف النزاع على محاربة العولمة وسيطرة الإنترنت على المجتمعات، لا بد من الرضوخ اليوم لشروط هذا الوباء من أجل الاستمرارية لا أكثر، ولا ينطبق هذا على سورية فقط، بل إنه يلزم الكثير من الدول التي كانت تحارب العولمة أيضاً وتحاول التمسك بالطرق التقليدية للتعليم وللعمل المكتبي، بأن تتبع مساراً جديداً في بناء مؤسساتها بعد الانتهاء من هذه الجائحة.

صورة تعبيرية (حبر برس)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.