الطفولة في عام 2020 بين الحجر الصحي والتعليم عن بعد

كانت الآثار النفسية التي تركها الحجر الصحي، والانقطاع عن المدرسة، والاكتفاء بالتعليم عن بعد، الأكثر عمقاً في حياة الأطفال لهذا العام، والتي لا زالت مستمرة إلى وقت لم يُعرف له أجل.

خالد المحمد

كلما تطورت الثقافة والمعرفة والحضارة، ازداد الاهتمام بالطفولة والأطفال على جميع المستويات، لاسيما النفسية والتربوية والتعليمية، وتتسابق الأبحاث في وضع نقاط ضوءٍ على نفسية الطفل وسبل التربية الأنجع التي تحقق للمجتمع ما يصبو إليه من الجيل القادم.

لكن عام 2020 وانتشار وباء كورونا خلال أيامه، كسر كل القواعد الحياتية والنظم التي بنيت عليها تفاصيل حياتنا … وكانت الشريحة الأكبر التي انعطفت حياتها هي الأطفال، الذي شكل لهم الوضع الجديد خلال العام المنصرم انقلاباً حقيقياً في تفاصيل وأسلوب حياتهم التي اعتادوها.

وكانت الآثار النفسية التي تركها الحجر الصحي والانقطاع عن المدرسة والاكتفاء بالتعليم عن بعد هي الأكثر عمقاً في حياة الأطفال لهذا العام، والتي لازالت مستمرة إلى وقت لم يُعرف له أجل.

 

الآثار النفسية للحجر الصحي على الأطفال

قد لا نستطيع حصر الأضرار النفسية التي تركتها وستتركها انقلاب الحياة الاجتماعية للأطفال، وذلك تبعاً لاختلافها حسب عمر الطفل، والبيئة التي يعيش فيها، وردود فعل والديه ومحيطه حول هذه الظاهرة، وطرق تصرفهم معها، وأسلوب شرحهم للوضع الجديد لأطفالهم.

فالطفل دون أدنى شك هو انعكاس لحالة الوالدين، لاسيما مع ارتفاع ساعات قضاء الوقت في البيت في ظل انقطاع دوام المدارس، والتي خلقت حالة من تأخر النمو المعرفي والعاطفي والاجتماعي للأطفال، فوجود الطفل في المدرسة خصوصاً في المرحلة الأولى دون عمر العشر سنوات، تكسبه تكوين شخصيته خارج إطار العائلة واهتمام الوالدين، من خلال الاعتماد على نفسه، وتكوين الصداقات وكذلك تسوية الخلافات مع أقرانه حين وقوعها … عدا عن ما يزرعه فيه الصف المدرسي من ثقافة الاستماع، وانتظار الوقت المناسب للكلام، والترتيب واحترام القوانين والعمل الجماعي.

كل هذا افتقده الأطفال وتجاوزه للتأخر الدراسي ونسيان ما تعلموه سابقاً حتى لدى الطلاب المتفوقين وهو ما كان يُلمس في العطل الصيفية، فكيف بانقطاع عن المدرسة بات يقارب السنة.

 

قصور التعليم عن بُعد

ولم ينجح التعليم عن بعد في تعويض هذه الفجوة المعرفية والاجتماعية والنفسية، عدا عن نسب الحضور المتدنية للدروس عن بُعد، خصوصاً لدى الطبقات الفقيرة التي صعُب عليها تأمين الأجهزة الالكترونية وشبكة الانترنت لعدة أطفال معاً في نفس الوقت، وكثير من هذه العائلات آثرت أن يخرج أولادهم للعمل، لاسيما الذكور من المرحلة الإعدادية والثانوية، لمساعدة العائلة مادياً إثر التهور الاقتصادي والغلاء الذي رافق انتشار الوباء.

 

الحجر المنزلي وتطرف الحالة الاجتماعية للطفل

مع التزام الأطفال لمنازلهم ضمن سياسة الحجر المنزلي نضحت كثيراً أخبار تزايد العنف الاجتماعي داخل المنزل، سواء بين الأخوة أو التوتر من الوالدين، تحت التأثيرات النفسية للحجر خصوصاً على الأطفال، والتي كانت باعثاً لفرط الحركة والعدوانية وكثرة الجدال وازدياد الاعتماد على الوالدين، عدا عن اضطراب النوم والاكتئاب … أمور ومنعكسات باتت توجه السلوك الاجتماعي للأطفال، وتضغط على الوالدين، الذين باتوا كثيراً ما يلجؤون إلى صرف الأطفال إلى الأجهزة والألعاب الالكترونية والتلفاز، والتي بدورها ستترك أثرها على عقل الطفل وحياته الاجتماعية من ضعف الانتباه والعزلة الاجتماعية وقلة الكلام والجبن والخوف المفرط من الغرباء.

صورة تعبيرية المصدر الهوية برس
صورة تعبيرية المصدر الهوية برس
العائلة اليوم المدرسة الأولى والثانية

إن فجائية الوضع الذي استجد مع فيروس كورونا المستجد، وضع الوالدين تحت تحديات كبيرة في ملء الفراغ الكبير لوقت الطفل، حيث بات الثقل كله على العائلة بعد إغلاق المدارس، وكثر من العائلات غير مهيأة نفسياً ومادياً واجتماعياً لهذا العبء.

هذا العبء الذي تشرق منه جوانب إيجابية، يجب استغلالها، يطرحها تفرغ الأهل لوقت أطول لأطفالهم، ومتابعتهم في الحجر المنزلي، وفتح مجالات الحوار معهم، وممارسة نشاطات أكثر بصحبتهم، واكتشاف مهاراتهم، وتنمية وتعزيز الأمور الإيجابية لديهم، وتوعيتهم بالوباء دون تهويل، وطرق الوقاية منه، ووسائل الوقاية الصحية عموماً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.