الطريق إلى القابون ومنها إلى دمشق

محطات من التغريبة الشامية ٣٢

أتت جدته وبدأت تتحدث عن “دمشق” فطلبت منها أن ترافقني، كانت سيدة مسنة لكن بشخصية قوية جدا تذكرني بإحدى شخصيات المسلسلات الشامية القديمة، واتفقنا على الذهاب في صباح اليوم التالي وسط رفض والداي وطلبهم مني أن أخبر زوجي بذهابي.

نور الشامي

أنا في مركز العاصمة دمشق، والحواجز والعناصر منتشرة في كل مكان، منظر مهيب لا يحسد أحد عليه، (لم يكن هذا إلا مشهدا أتخيله دائما وأضع نفسي فيه) كنت بمجرد أن أتخيل نفسي في مثل هذه المواقف أشعر بتجمد الدماء بعروقي، مع اقتراب عودة الشتاء بنسماته الباردة، كل ما أفكر فيه هو الخروج إلى العاصمة دمشق عن طريق الأنفاق لتلقي العلاج خاصة بعدما يأست من الطبابة في الغوطة.

 

مشاكل أمنية على عائلتنا

في إحدى زياراتي لأهلي حدثتني والدتي عن نيتهم بالخروج إلى (القابون) للقاء الأهل والأصدقاء، قلت في نفسي: “لن أضيع هذه الفرصة التي لن تتكرر” فطلبت من والدتي إضافة اسمي وعدت إلى بيتي أناقش الموضوع مع زوجي الذي رفض الأمر رفضا باتا لأنه يعلم بوجود مشاكل أمنية على عائلتنا وعلى اسمي بسبب عملي بالتمريض، حيث تم اعتقال إحدى الممرضات كان اسمها “أمل” بقيت ثلاثة أيام في أحد الفروع و فور إطلاق سراحها أتت وأخبرتنا أنها تحدثت واعترفت بكل شيء خوفا من أذيتهم، وأعطتهم تفاصيل دقيقة عن المشافي التي كانت تعمل بها إلى جانب أنها ذكرت كل أسماء العاملين من أطباء وممرضين ومستخدمين بأدق التفاصيل التي تعرفها عنهم، أتت أمل وأخبرتنا عن وشايتها بنا _لنكتشف بعد سنوات أنها كانت تتعامل مع النظام_ هذا السبب جعل زوجي يمنعني من الخروج مع طفلتي وأهلي، لكنني لم أرضخ لقراره وبت أناقشه بهدوء وأجادله حتى وعدته أنني لن أخرج إلى “دمشق” سأبقى في مناطق “برزة والقابون”  وافق بعدها بصعوبة.

 

رحلة العبور من النفق

مضت الأيام سريعا وأتى موعدنا خروجنا وكأننا في سجن كبير سنخرج لفترة صغيرة للاستراحة قليلا من هذا العذاب، جهزت بعض الأمتعة الخفيفة وحمالة الأطفال الخاصة بابنتي وانطلقنا إلى منزل والداي ومنه إلى “عربين” لنخرج من نفق “النور” الخاص بالمشاة، لم أكن أتخيل هذا الكم الهائل من الناس المنتظرين للخروج، طلب والدي هوياتنا ليرفقها مع تصريح خروجنا وأعطاها للعنصر الأمني التابع لأحد الفصائل، نمرُّ بعده من البوابة ويبدأ بعدها النفق.

وقفت في بدايته أتأمل هذا العمل العظيم الذي قام به الشباب هنا، بدأت المشي  رغم الازدحام في بدايته إلى أن الوضع تحسن قليلا، كان شريط من “الليدات” ممتد على طول النفق دون انقطاع أبدا، تحدثني والداتي لكنني لم أكن مصغية لها فقلبي يخفق بشدة كلما تذكرت “دمشق” وصديقاتي وجدة زوجي التي سألتقيها اول مرة، نعم فانا لن أوفي بوعدي هذه المرة وسأذهب إلى “الشام” متحدية كل الظروف، لن أقبل أن أكون على مشارفها ولن يعيقني حاجز أمني ولا اعتقال، كان قراري متهورا وضربا من جنون الشباب.

بدأت أشعر ببعض الضيق وتسرع بضربات قلبي وفي منتصف النفق اشتد تعبي لكني كنت على مقربة من مكان للراحة، حيث يوجد فتحة كبيرة تأتي بهواء نقي إلى طرفها مسعف وعنصر من الفصيل العسكري التابع للنفق وكرسي، طلبت مني أمي الجلوس قليلا، وفور جلوسي أحضر المسعف الماء وأخبرني أنه ضيق تنفس بسيط بسبب قلة التهوية وأنه بقي القليل لنهاية النفق، أبي وأخي اللذان يحملان أمتعتنا كانا قد وصلا على ما اعتقد، وأخيرا وصلنا وخرجنا من منطقة الأنفاق.

 

دمار القابون

ألتفت حولي فصدمت بالمنظر، المكان لا فرق كبير بينه وبين الغوطة، الدمار والأبنية المهدمة منتشرة على طول الشوارع في “القابون”_التي تعرضت لحملة همجية قبيل هذه الهدنة_ وقفنا ننتظر الشاب الذي من المفترض أن ينتظرنا قبل ان نصل، أطبق الظلام ونحن في طرف الشارع، وشبكة الهواتف سيئة للغاية، فيمر صدفة أحد أصدقاء أخي ويسلم على والدي وحين علم بما حدث معنا أصر أن نرافقه إلى بيته، فذهبنا وبتنا ليلتنا هناك واحتفى بنا الشاب وأكرم ضيافتنا فكل من يخرج من  الغوطة في لهفة وشوق لكل شي بداية من الأمان والنوم الهانئ ونهاية بالطعام الذي مضى علينا أعوام عديدة نسينا فيها الأكلات سريعة التحضير والمشروبات الغازية.

 

قرار النزول إلى دمشق

في صباح اليوم أتى ابن عمي وأخذنا إلى بيته ثم أتت جدته وبدأت تتحدث عن “دمشق” فطلبت منها أن ترافقني، كانت سيدة مسنة لكن بشخصية قوية جدا تذكرني بإحدى شخصيات المسلسلات الشامية القديمة، واتفقنا على الذهاب في صباح اليوم التالي وسط رفض والداي وطلبهم مني أن أخبر زوجي بذهابي، فرفضت ليقيني بعدم موافقته، بقيت على موقفي ثم تركتهم  وذهبت أصلي صلاة الاستخارة، شعور من التوتر المختلط بالفرح يسكن قلبي، لم يزر النوم عيناي أبدا ، أحن بشدة لشوارع البلد وحجارتها ومائها وكل تفصيل صغير فيها، أيقظت الجدة وجهزت نفسي وابنتي للانطلاق، فأجد الجدة تمنعني من ارتداء النقاب بهذا الشكل لأنه سيثير الشكوك كثيرا ويجب علي إظهار وجهي، صدمت بهذا الخبر، أي خوف يعيشه النظام حتى يخاف من نساء متنقبات ويكون الحجاب سبب في اعتقالهم، فعلت ما طلبته مني الجدة وعدلت حجابي واستبدلت سواده المشابه لأيام بالغوطة بلون آخر_فحتى اللون الأسود بات مصدرا للشك والريبة_  وانطلقنا بعدما أوصتني والدتي بمكالمتها فور وصولي.

 

حاجز السلام المرعب

وصلنا للشارع العام، أعوام كثيرة مضت على مروري من هنا، حتى هذه الشوارع كبرت وتعبت مثلنا، ركبنا الباص ووصلنا ل حاجز يدعى “حاجز السلام” ويعتبر أصعب نقطة تفتيش، فأرى من بعيد الضابط على طرف الشارع يجلس على كرسيه يلف قدما على أخرى مرتديا نظارة سوداء قاتمة كقلبه، وعددا كبيرا من العناصر بجانبه، العسكري الذي يفتش الناس والباصات تبدو عليه ملامح العصبية والكره، صوته الجهوري يصدح ويشتم، لا يفرق بين كبير أو صغير وبقي أمامنا باص واحد فقط، شعرت أن قلبي على وشك التوقف، ضرباته لاتعد أبدا يداي ترتجفان، فقد تم احتجاز شابتان من الباص الذي أمامنا، أخذوهم وسط وابل من الشتائم والكلام السيئ والضرب على الظهر والأكتاف، ماذا لو حصل معي مثلهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.