الطابع الشمولي السياسي لثقافة الإحالة في الشرق

إن عملية تعليمنا للإحالة ثقافياً نحو عصور محددة لها طابع شمولي سياسي، لا ينفصل عن واقع اليوم، إن كان في حركات العسكرة أو الأشكال الدينية، ما زلنا نعيد تدوير هذا الشكل التاريخي، لإبقاء العقل في حيز الصراع مع مفهوم الملك، وإسقاط الفعل الثقافي من تجربة التاريخ والحاضر.

16
الأيام السورية؛ علي الأعرج

إنّ التداول الأكاديمي في الإحالات الثقافية للتاريخ ومرجعيتها يُبنى في منطقة الشرق لتابعية شمولية ناتجة عن مفهوم كلي، من أمثال القول: عصر مملوكي، عصر عباسي، عصر المرابطين، عصر الموحدين، العصر العثماني.

ورغم أن الغرب يشابه الشرق في إحالته لمثل تلك التسميات من أمثال القول: العصر الفيكتوري، عصر النهضة، العصر الصناعي، إلا أن الباحثين الأكاديميين وجزء من ثقافة شعبية معاصرة، تُحيل تلك المراحل إلى مسميات أكثر فردانية لما لها تأثير أكبر من فكرة الانتماء والإحالة لعصر معين، ولما تفعله من دراسة معمقة في الفكر الشخصي باعتباره ثورة معرفية قائمة بحد ذاتها أكثر من إحالة التاريخ لجهة سياسية، من أمثال القول: عصر فولتير، عصر ديكارت، عصر دافينشي، عصر سبينوزا، عصر كانط، عصر شوبنهاور.

شمولية التفكير في الشرق

إن شمولية التفكير في الشرق الناتجة عن موروث ديني سياسي، تُلغي كلياً تلك الفردانية وعلاقاتها وتأثيراتها. إنها عملية إجبار الشخصية الثقافية للانصهار مع العصر السياسي. فنحن لا نقول عصر ابن رشد، بل نقول العصر الأندلسي بما يحتويه من شخصيات مؤثرة بمن فيهم ابن رشد، وابن عربي .. الخ.

ذات الأمر ينطبق على جميع الشخصيات التي كان لها تأثير في صناعة الحضارة ومفهوم الأمة والدولة الحديثة وعلومها، كالفارابي والرازي والمعري والحلاج وابن سينا وابن خلدون.

ثقافة الشرق الشمولية حللت تلك الشخصيات في بوتقة سياسية. حتى تعليمياً يتم تلقين الطلاب في دراسة التاريخ نحو أشكال جمعية سياسية ولا تركز على المنجز الثقافي للفرد.

مبدأ الأخذ بالمعرفة الفردانية

قد يبدو مبدأ الإحالة بالعام غير مهم كثيراً، لكنه يوضح لنا الآلية التعليمية التي تُنشِئ أجيال متلاحقة وعقول جمعية تستمر في صراعات الأحقية السياسية دون فهم مبدأ الأخذ بالمعرفة الفردانية على حساب الجماعة.

إن المعنى الواضح وراء ما قيل هو التفكير لمحاولة الخلاص من النظرة الكلية للتاريخ والتركيز في مفهوم التفاصيل والجزيئات التي تبني المعنى الحقيقي للتراث الثقافي، فغير مهم كثيراً أن ندرس أو ننتمي بحثياً لحقبة الدولة العباسية الثانية مقارنة بدراسة الفلسفة لدى المعري.

إن الفرق بين الحالتين شاسع جداً، فعندما ندرس تاريخ حقبة ونحيلها اسماً لجهة ما، فإننا نضع العقل داخل إطار من فهم المشاكل الملكية والثورات الشعبية والانتفاضات وصعود إمبراطوريات أخرى، وهو فعلياً غير مهم في شكل التركيز على المعنى العميق لأفكار فلسفية مجردة تناقش مواضيع هي أهم بكثير من سقوط نظام حكم وصعود آخر. إن عملية الإحالة لهذا الجانب السياسي، تضع التفكير في إنشاء تكرار محدد ونمطي للبحث الثقافي، وتضع العقل ضمن آلية سلوكية وتحليلية واحدة.

إن عملية الإحالة لهذا الجانب السياسي، تضع التفكير في إنشاء تكرار محدد ونمطي للبحث الثقافي، وتضع العقل ضمن آلية سلوكية وتحليلية واحدة.

الحقب التاريخية بأسماء شخصيات سياسية

الأكثر من ذلك، أنه يتم تسمية الحقب التاريخية بأسماء شخصيات سياسية وليست ثقافية كأن نقول عصر أتاتورك والعصر الناصري، حتى تاريخياً عندما نريد أن نعيد شكل فرداني لعصر وحقبة ما فإننا نحيله لملوك معينين، فلا نقول عصر الكندي، بل نقول عصر الرشيد والمأمون. إنها عملية تسييس العقل لوضعه في بوتقة ثقافية من طراز الملك أولاً.

هذا التركيز والإحالة لربط تاريخنا الثقافي والفلسفي بجانبه السياسي ليس وليد حركة عشوائية للتاريخ، بل هو مسألة نشأت من التفكير الجمعي للدولة الإسلامية الأولى، وحتى في لحظة مرور تاريخي وذكر لحوادث معينة، فإنه يتم التركيز على الفعل السياسي دون البحث في الموقف الفلسفي لذلك الفعل.

فمثلاً قتل هشام بن عبد الملك لغيلان الدمشقي، يتم التركيز فيه على أحقية هشام بالفعل والاكتفاء بإلحادية غيلان واتهامه دون البحث وراء فلسفة غيلان. ذات الأمر ينطبق على التجربة الحرة لأبي عيسى الوراق وابن الرواندي كفلاسفة متكلمين في مناهضة النص الكلاسيكي وتأويلاته الفقهية.

إن عملية تعليمنا للإحالة ثقافياً نحو عصور محددة لها طابع شمولي سياسي، لا ينفصل عن واقع اليوم، إن كان في حركات العسكرة أو الأشكال الدينية، ما زلنا نعيد تدوير هذا الشكل التاريخي، لإبقاء العقل في حيز الصراع مع مفهوم الملك، وإسقاط الفعل الثقافي من تجربة التاريخ والحاضر.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.