الطائفة العلوية في سورية و صراع البقاء | د. سلوى الوفائي

 “الأسد أو نحرق البلد” ليس مجرد شعار تباهى به المنحبكجية الموالون للعصابة الأسدية. بل هو كلمات تحمل وراءها جثثاً قتلها الجهل، و سعى لدفنها خلف ذاكرته و حاول جاهداً أن يكون النسيان مثواها الأخير. اصطدم هذا الشعار منذ بداية الثورة السورية بشعارات الحرية التي نادى بها أبناء الشعب السوري الذين رسموا لوحة أمل وردية و ساروا على ضوء مشاعل الصبر كي يحققوا حلماً بعيداً في خاطر الوجدان آن له أن يتجسّد واقعاً ملموساً. و ظلّ الموالون للعصابة الأسدية يغلقون كلّ الدروب التي حاول طلاب الحرية أن يسلكوها و كلّما شقّوا طريقاً في جبال المستحيل وجدوا حماة شعار ” الأسد أو نحرق البلد” واقفون في آخر الدرب فاتحين أذرعهم لاصطيادهم و الفتك بهم و أكثرهم لم يكن على يقين تام بما يملك من حيثيات الفتك لكنهم كانوا يؤمنون بنبل التهمة التي ألصقوها بطلاب الحرية ( تهمة العصابة المسلحة المخربة) و أصبحت هذه التهمة مزيجاً من الغباء و غريزة البقاء.

[youtube]X6HjDf9OC8Y[/youtube]

و توالت المجازر وسط توالي صمت العالم عنها، و تمادى الطاغية و أوعوانه أكثر فأكثر، و لم يكتف بالقنص و الاستهداف بالرصاص و المدافع و القاذفات و الراجمات بل تعداها إلى استخدام البراميل المتفجرة ذات القوة المضاعفة في الفتك و استخدام صورايخ سكود البعيدة المدى و تجاوز كلّ الخطوط الحمراء باستخدامه للسلاح الكيماوي الذي خنق أطفال حمص، دون أن تحرك مشاهد القتل و الدمار الضمير الجمعي للعالم الإنساني فسقطت كلّ شعارات حقوق الإنسان الزائفة و ظهر نفاق المجتمع الدولي لأول مرة جلياً واضحاً. و لعلّ أسوأ المجازر التي ارتكبها السفّاح هي تلك التي استعمل فيها السلاح الأبيض ( السكاكين و الخناجر) لتعذيب الضحية حتى الموت بصور و فيديوهات انتشرت على اليوتيوب و موقع التواصل الاجتماعي ( الفيسبوك)، و أثارت حفيظة كلّ أصحاب الضمائر و استنكارهم إلى حدّ الغثيان، بل إلى حدّ الموت قهراً لهول ما رأينا من فظائع و جرائم وحشية ضد البشرية لا يقوى على ارتكابها إلا ذوي القلوب الميتة و الضمائر العفنة. هزّتنا تلك الصور بعنف و أحدث فجوة كبيرة و انقساماً حقيقياً بين أبناء الشعب السوري بين طائفتين ( الموالون للأسد ) المجرمون القتلة و الطائفة السنّية التي ينتمي إليها الشريحة الأعظم من الضحايا و تعالت أصوات المطالبين بالثأر و الانتقام و حقّ لهم ذلك بعد ما عاشوه و رأوه من فظائع يندى لها جبين الإنسانية. و قد بدأت ظاهرة الذبح بالسكين في حمص تحديداً في مجزرة بابا عمرو  و تلتها مجزرة كرم الزيتون ثم الحولة و التريسمة و القبير و داريا و ليس آخرها مجرزة حلفايا التي مزجت الخبز بالدماء الطاهرة و مجزرة تلبيسة و المليحة و القائمة تطول و تطول.

و من أعجب الأمور التي يكاد العقل يرفض تصديقها هو كمّ الحقد و العنف و الكراهية التي عبر عنها الموالون للأسد بأفعالهم و أقوالهم و التي تأبى وحوش الفلاة أن تأتي بمثلها، فماهي تركيبة هؤلاء القتلة و ما هي دوافعهم للإجرام؟ من أيّ تربة جُبلت نفوسهم و من أيّ معدن قُدّت؟ و هل هو سلوك عدواني فطري موروث في الذاكرة الجمعية لأبناء الطائفة الموالية أم هي حالة تشوّه جينات و غسيل أدمغة تعرضوا مدروسة تعرضوا لها فحولتهم إلى وحوش كاسرة؟

يذكر الكاتب عزام أمين محمد أربع دوافع نفسية خلف ارتكاب تلك المجازر باسم الولاء للأسد و هي: 1- التماهي بالمعتدي و 2- الخوف من المجهول و 3- الخوف من الحرية و 4- الخوف من الطائفة السنّية الرهابي. إذ  يتماهى الموالون في شخصية الأسد و يجدون فيه وسيلة لرفع مستوى التقدير الذاتي المنخفض أصلاً لديهم نتيجة عهود من القمع و الرضوخ ألغت كياناتهم و شخصياتهم و عززت لديهم الشعور بالدونية، فيرون في شخصية المستعبد لهم ردّ اعتبار للأنا المجروحة و الشخصية المشروخة تجلى في شعار ” منحبك ” و كلّما ازدادوا عبودية له ارتفع تقدير الذات عندهم لذا يحاربون كلّ ما ينتاوله و يسيء إليه و يدافعون عنه دفاعاً مستميتاً و يفخرون بالعبودية له التي تظهرها بوضوح صور السجود على صورته و تقبيلها و وضع البوط العسكري على رؤوسهم و التباهي به، و كلّما ازداد طغيانه و استبداده ازدادت حالة انفصام الشخصية لديهم بين الإعجاب به نتيجة لضعف تقديرهم الذاتي و التعلق به كمخلص و بين كرهه و الخوف منه الذي يحاولون إخفاءه و تجاهله. و هذا الشعور يعتبر من أقوى عوامل مقاومة التغيير و التحرر.

و انطلاقاً من فكرة الانتماء للأقليات التي عمل حافظ الأسد على ترسيخها في أذهان فئات الشعب السوري المختلفة، وعلى بثّ كلّ عوامل التفرقة و الكراهية و الخوف من الأكثرية الساحقة، يعاني الموالوان للأسد من فوبيا الخوف من المجهول، الخوف على مصيرهم كأقليات سورية، و الحرص على استمرار التمتع بالحقوق و الميزات و المصالح التي كانوا أول المستفيدين منها في بلد هضم حقوق الأكثرية و همّشهم لصالح الحفاظ على سيادة الطائفة و هيمنتها، و ككل أنظمة الحكم المنبسقة من الأقليات عمد الأسد إلى توطيد حكمه بالتحالف مع القوى الخارجية ضدّ مصالح القوى الشعبية الداخلية، فباع الجولان لاسرائيل استرضاء لها و لقوى التحالف الاستعماري الغربي، و تحالف مع حزب الشيطان و إيران ذات التوجه الشعوبي الفارسي الصفوي و أسس له امبراطوية من التحالفات الاقتصادية الأخرى مع عدد من دول العالم و كلّها في سبيل دعم حكمه المتهالك الضعيف الذي لا يستند على شرعية داخلية و رضا شعبي جماهيري. فكيف يقبل أبناء الطائفة الموالية للأسد التخلي عن هذه الميزات التي منحتهم الشعور بالأمان المزيف ففضلوه على الحرية الفردية و الكرامة و الكبرياء؟ إن الحاجة للأمان هي ثاني الحاجات الإنسانية في سلم أبراهام ماسلو (1943) الشهير و هي تأتي بعد الحاجات الفسيولوجية الأولية و قبل حاجات الحب و تقدير الذات و تحقيق الذات و الحاجات المعرفية. وهذا ما أدركته تماماً الأنظمة الديكتاتورية عندما لجأت للمعادلة الشهيرة “الحرية أو الأمان”، فأشاعت وبطريقة ممنهجة الفوضى و الجريمة عندما انتفضت عليها شعوبها ثمّ اتخذت القمع و الاستبداد وسيلة لفرض الأمان مقابل مصادرة الحريات.

لهذا أصبحت الحرية تلك الشبح الذي يخشونه كما يخشى الأطفال “البعبع” في القصص الطفولية و الخيال الطفولي و لهذا سمعناهم مراراً يكررون عبارة ” هاي هي الحرية اللي بدكن اياها” مع محاولة إيهام الضحية أنّ الحرية لا تليق بها و أنّها وبال عليهم ستودي بحياتهم. فأصبحوا بعد عهود من الرضوخ و الإنقياد الأعمى للرمز القائد عاجزين عن التحرر و الانطلاق في فضاء الحرية الرحب كطفل يمسك يد والده في زحمة الأسواق بقوة و تشبث و يخشى إن أفلتها أن يضلّ الطريق و يتوه في الزحمة. و الحرية مسؤولية تتطلب تقديراً عالياً للذات و ثقة بالنفس و إرادة فولاذية و مقومات علمية و ثقافية و ضوابط شرعية قانونية لا يتمتع بها الموالون للقائد بالطاعة العمياء.

كلّ هذه العوامل اجتمعت لتكرس في عقلية المؤيد الخوف من الآخر الذي يتجسد في الطائفة السنية و لاشكّ أنّ الأسد قد أتقن لعبة تأجيج الطائفية بجدارة و خلق الفتنة عامداً متعمداً و أثار مخاوف الأقليات تجاه الأكثرية تجلّت بوضوح في عبارة السخرية من الشيخ العرعور و قناة صفا و الوصال و وصف الثائرين الأحرار بالعراعير، و ملاحقتهم و تعذيبهم و التنكيل بهم أصبحت متعتهم اليومية، و يعرف علم النفس الطائفية على أنها السلوك العدواني تجاه شخصٍ ما او مجموعةٍ ما بسبب انتمائهم الديني. وكلمة سلوك عدواني تعني هنا: فكرة سلبية، موقف سلبي مُسبق، صورة سلبية نمطية، شعور سلبي، …ويشكل العدوان الجسدي واللفظي تعبيراً عن هذا السلوك شهدناه مراراً في فيديوهات التعذيب حتى الموت التي مارسها المؤيدون ضدّ أبناء الطائفة السنّية عموماً و كلّ من ثار ضدّ حكم الأقلية. و تبقى طائفية الأكثرية ردة فعلٍ على حالة يشعر بها الفرد بالغبن والظلم تزول بزوال هذه الحالة، بينما طائفية الأقليات فهي الأكثر شراسة و عنفاً و عدوانية و ناتجة عن خوف عميق كامن في المساحة اللاشعورية من الذاكرة الجمعية.

و كي يبرر المؤيدون موقفهم هذا لجأووا إلى أربع استراتيجيات واضحة و هي – 1- تبني نظرية المؤامرة حيث يدّعون أن الثورة قامت بفعل موجه خارجي مدروس و مدبر يضمر إرادة خفية في زعزعة أمن الوطن و المواطنين و لم تقم من الداخل فقالوا أن ما يحدث في سورية هو مؤامرة كونية و أنكروا وجود الثورة على أرض الواقع بادعاء ( الفبركة ) الإعلامية تجسّدت في أعلى صورها في فكرة المجسمات القطرية. و بالتالي القاء التهم على المفبركين و المدبرين و تحميلهم مسؤولية ما يحدث كاتهام ( سعد و حمد و بندر …. ) و أصبح تعريف الشريف هو كل من يدافع عن النظام و الخائن هو من ثار ضد النظام. 2- تبني فكرة الإنكار لما يحدث من خلال إشاعة شعار ” الأزمة خلصت و سورية بخير” و إنكار المظاهرات و الاحتجاجات و أظهار السعب السوري و كأنه يعيش حياة طبيعية ساعد الإعلام السوري الرسمي كثيراً في تجسيد هذه الفكرة من خلال تجاهله للأحداث و استمرار بثّ البرامج التقليدية على القنوات الفضائية و كأن البلد لا يعيش حالة حرب حقيقية. 3- عمدوا إلى استارتيجية قلب الحقائق باختراع نظرية العصابات المسلحة فكل ما يحدث في سورية من قتل و ترويع و دمار هو من فعل العصابات المسلحة و كلّ الضحايا هم ضحايا العصابات المسلحة و لا ينسون أن يتباكوا عليهم و يمعنوا في الحزن على تخريب الوطن و ترويع المواطنين الآمنين. 4- لجؤوا إلى سياسة الانتقائية في نقل الخبر فما كان يخدم نظريتهم و أفكارهم نقلوه و ما كان مغايراً لها تجاهلوه، فسلطوا الضوء مثلاً على بعض الشعارات الطائفية النادرة في بعض المناطق الساخنة و تجاهلوا آلاف المظاهرات التي نادت ( واحد واحد واحد الشعب السوري واحد).

و خلاصة القول، إنّ كلّ ما نشاهده من فظائع يرتكبها المؤيدون للعصابة الاسدية نابع بشكل أو بآخر من غريزة البقاء، و دفاعهم المستميت عنه لا يمكن تفسيره على أنه عشق لا ينتهي، و لعلّهم في أحاديثهم السرّية يلعنونه و يمقتونه حدّ الموت لكنّهم عميت أبصارهم فظنّوا أنّ وجودهم مرهون بوجده و لم يدركوا حتى اللحظة أنّهم يخضون معركة خاسرة و يراهنون على بغل خاسر و لعلّهم أكثر من سيدفع فاتورة الدم المراق و الخراب المتعمد بعد أن يرحل الرمز هارباً بجلده من موت محتّم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.