الصمت.. التأمّل الفلسفي العميق داخل سردية تفاهة الصراع الإنساني العقائدي

الرواية إسقاط على كل دين ما زال يعمل اليوم في عقول الناس ويقنعهم بحقيقته المطلقة في عالمهم الذاتي، رغم أنه نسبي تماماً عند صدامه مع الآخر الذي يؤمن بحقيقة دينه؛ لقد خلق شوساكو ذلك التأمّل في الشخوص وتطوراتها ليحدد للقارئ تفاهة قناعاته الأيديولوجية، ليطرح معضلة الغباء الإنساني في صراعه العقائدي.

الأيام السورية؛ خالد علوش
شوساكو إندو

رواية قائمة على تجربة إنسانية تتطور ذهنياً في الرحلة المعرفية والاختلاف مع الآخر، رواية شوساكو إندو تحدد كلياً المعنى الذي لا تزال كثير من الديانات على وجه هذه الأرض تعتبر نفسها تملك الحقيقة المطلقة، وبأنّ كل ما عداها عبارة عن وثنيات حمقاء؛ وطبعاً الأمر ليس فقط في ذلك الصراع بين المسيحية الكنسيّة في أوروبا والبوذية اليابانية في القرن السابع عشر، إنما تحتاج الرواية قراءة متأنية أبعد من ذلك وإسقاط تجربة أي دين في العالم على ذات السياق المعرفي من التصارع وفكرة امتلاكه للحقيقة.

ومع ذلك فرواية إندو تعالج إلى جانب المسألة الدينية وتجربتها في نقل تعاليم المسيحية إلى اليابان، والتي لم تستطع الحياة ولا الانتشار، حيث لا تشكّل المسيحية اليوم في اليابان سوى 0.8 من السكان، تعالج تطور الفكرة لدى الإنسان، والتي أغرقها شوساكو بالكثير من المونولوجات في الشخصية الرئيسية البرتغالية “سباستيان رودريجيز”؛ عملية مشاهدة الإنسان وإيمانه دون فهم عميق لفلسفة الإيمان التي تنشأ في مكان هو أصلاً قائم على أفكار فلسفية أعمق من الصورة الجاهزة للميتافيزيقيا، إنها فلسفة الطبيعة والحياة لدى الشرق.

القصة بسيطة، وهي قيام رهبان من الكنيسة بالسفر إلى اليابان للبحث عن الأب فيريرا، والذي وصلت أنباء عن ارتداده عن المسيحية، وهو المعروف لدى الكنيسة بتضحياته، وتبدأ رحلة الرهبان “سباستيان رودريجز، وفرانشيس جاربي.. ورودريجز على نحو خاص كلسان سردي” لمعرفة الحقيقة حول ارتداد الأب فيريرا؛ رحلة في فيزياء الجسد والطبيعة والسقوط النفسي ورفعته والارتطامات العقائدية.

عملية مشاهدة الإنسان وإيمانه دون فهم عميق لفلسفة الإيمان التي تنشأ في مكان هو أصلاً قائم على أفكار فلسفية أعمق من الصورة الجاهزة للميتافيزيقيا، إنها فلسفة الطبيعة والحياة لدى الشرق.

يرحل بنا إندو إلى تلك العوالم الحوارية والمشاهد الذاتية التي نستطيع أن نعيش تساؤلات الإنسان العقائدي وإيغال تجربته لخلق أسئلة قد تبدو في مرحلة متقدمة نتيجة تصادمها مع أفكار أخرى، أن تؤدي إلى طرح تلك الأسئلة التشككية التي هي أصلاً العقائديات الجامدة مثل المؤسسات الكنسيّة ورجال الدين برتبهم العليا وبعض المنضويين داخل هيكليات دينية مغيّبة ومنغلقة خشية الردّة المعرفية للدين، كأناس لا يرغبون في معرفة أي شيء أو يتسائلون سوى ما يؤمنون به كي يحافظوا على فردوسهم من الضياع؛ كأن يطرح رودريجز على نفسه ذلك المونولج: “يهوذا لم يكن إلا دمية تعسة سُخِّرت لتمجيد الفاجعة”، إنها تماماً بداية للوصول إلى مرحلة أعمق من فكرة ما نومن به راسخاً دون معرفة الآخر وفلسفاته وأفكاره وبقائنا في هالة إيماننا الغيبي بالحقيقية رغم نسبيتها.

إنه بطريقة ما يبدأ في فهم حقيقة كنيسته وتجربة الإله الصامت على بؤس البشر وعذاباتهم، التشككية الناتجة عن المعرفة والتجربة الحيّة، وليست المعرفة الناتجة عن الانغلاق على جماعة يؤمنون جميعهم بنفس الفكرة، تماماً مثلما كان رودريجز وجاربي وقبلهم فيريرا، يعملون لصالح الكنيسة وليس لصالح الإنسان وحياته.

الرواية إسقاط على كل دين ما زال يعمل اليوم في عقول الناس ويقنعهم بحقيقته المطلقة في عالمهم الذاتي، رغم أنه نسبي تماماً عند صدامه مع الآخر الذي يؤمن بحقيقة دينه؛ لقد خلق شوساكو ذلك التأمّل في الشخوص وتطوراتها ليحدد للقارئ تفاهة قناعاته الأيديولوجية، ليطرح معضلة الغباء الإنساني في صراعه العقائدي.

فالمسيحية بالنسبة لهما حقيقة وليست اختلاف فلسفي، لكن تجربة الصدام مع فكر الآخر، جعلت من جاربي شهيداً سريعاً للكنيسة ومن رودريجز مؤمناً حقيقياً بفكرة الله رغم تحوّله إلى البوذية وإنكار التعاليم الجامدة للنص الديني.

“أيها الأب هل فكرت في العذاب الذي أوقعته بالعديد من الفلاحين، بسبب حلم يراودك، لا شيء إلا لأنك تريد فرض حلمك الأناني على اليابان”.

بالنسبة لرودريجز هو يمتلك الحقيقية التي ليست حقيقة بالنسبة للتأمّل الشرقي، إنما اختلاف فلسفي، وهو ما لم يكن رودريجز وجاربي يستطيعان فهمه، فالمسيحية بالنسبة لهما حقيقة وليست اختلاف فلسفي، لكن تجربة الصدام مع فكر الآخر، جعلت من جاربي شهيداً سريعاً للكنيسة ومن رودريجز مؤمناً حقيقياً بفكرة الله رغم تحوّله إلى البوذية وإنكار التعاليم الجامدة للنص الديني، لأنّ الإله واحد، ومهمة المؤمن أن يحمي البشر من القمع والبؤس وليس أن يرفع المؤسسة على حساب البشر حتى لو كان يحبهم في العمق.

تجربة إندو الروائية مذهلة لأنها توضح تفاهة ذلك الكائن الذي يرفع النص الديني الجامد على فكرة الإله ومحبته للإنسان، ويوضح لكل من لديه ذلك السؤال المتعلق بفكرة الحقيقة الإيمانية إن كان يعتبر الإيمان هو التمسك بدين الآباء وعدم التفكير في الاختلاف الفلسفي؛ من هو الذي يريد للبشر ذلك الجهل المعرفي حول الإله، والبقاء في داخل دوامة الانغلاق الذهني!.

عمل شوساكو عظيم بكافة المقاييس الأدبية والسردية والمعرفية والإنسانية والروحية والتأمليّة الفلسفية بكافة اختلافاتها.

غلاف الرواية(موقع المكتبة نت)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.