الصراع بين الحرية والسلوك.. العالم لا يملك قوة وكارثة أكبر من الحرية

إننا لا نمنح تقديرنا العظيم لمن يعملون بجلاء من أجل السمعة والشهرة، إنما نمنح كل تقديرنا لمن يتعفف عن الشهرة والمجد، كذلك كان الحب أجدر بالتقدير عندما يكون من طرف واحد.

125
الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

الكرامة في أحد تعريفاتها السلوكية: هي العمل على جلب أكبر كمية تقدير للذات من خلال اتخاذ سلوكيات يتوجب عليها التقدير، هذا التقدير المتأتي في أغلبه عن موائمة السلوك لقيم مجتمع ما، فكلما كان السلوك موافقاً للقيم الاجتماعية كلما حصلت الذات على تقدير أعلى.

إن المحافظة على المجتمع وعدم زعزعته هو النتيجة الأهم لهذا السلوك وإن آليات تعزيز سلوكيات الكرامة هي آليات تعزيز إيجابية، فعندما يقوم شخص ما بعمل جيد يتوافق مع القيم الجمعية للمجتمع، فإن المجتمع يقوم بتقديره وحثه على التكرار، هذا التعزيز المتبادل بين السلوك والمجتمع يشكّل حلقة دفاعية من الصعب اختراقها.

هذه الآلية التحصينية تشكل رادعاً إضافياً للسلوك باتجاه الحرية، فالحرية ستحاول اختراق البنى لأجل إعادة البناء، بينما الكرامة تزيد تحصينها من أجل الاستقرار، وهنا يبدأ الصراع بين الحرية والكرامة، ومن أجل أن نأخذ نحن البشر مواقفاً حيادية من هذا الصراع، نحاول التقليل من أهمية السيطرة التي تفرضها علينا قوانين المجتمع عن طريق إخفائها، أو تغيير مظهرها، كي نبدو أكثر حرية في سبيل حصولنا على الكرامة.

إن آليات تعزيز سلوكيات الكرامة هي آليات تعزيز إيجابية، فعندما يقوم شخص ما بعمل جيد يتوافق مع القيم الجمعية للمجتمع، فإن المجتمع يقوم بتقديره وحثه على التكرار.

فنجد مقدار التقدير الذي يحصل عليه شخص ما مرهون بطريقة غريبة بالقدرة على رؤية الأسباب التعزيزية لسلوكه، فكلما كانت الأسباب غير واضحة، كان التقدير أعلى، فمقدار التقدير الذي يحصل عليه فنان ما، يقل كثيراً عندما نعلم أن سبب رسمه للوحته هو الشهرة والمجد، مع أنه سلوك مفهوم، ونبخس العمل قدره عندما نعلم أن سبب العمل هو المال، وإلى وقت ليس بالبعيد كان معلمو المهن الأوائل لا يتقاضون أجراً معروفاً على عملهم، كي لا تجرح كرامتهم، فهم يعملون من أجل إعلاء شأن المهنة لا من أجل كسب المال.

إننا لا نمنح تقديرنا العظيم لمن يعملون بجلاء من أجل السمعة والشهرة، إنما نمنح كل تقديرنا لمن يتعفف عن الشهرة والمجد، كذلك كان الحب أجدر بالتقدير عندما يكون من طرف واحد، مع أن هذا السلوك غير مفسر، وكذلك نجد تقديراً عظيماً للذي تخلى عن ثروته، أو تحمل جل أنواع التعذيب، من أجل المحافظة على أفكاره وآرائه، فالتقدير يزداد كلما كانت أسباب السلوك غير واضحة. لذلك فإننا نحاول أن نكسب المزيد من التقدير عن طريق إخفاء الأسباب الحقيقية وراء سلوكياتنا، لأنها تبدو كحوافز تشجيعية، تشكل نوعاً من السيطرة على السلوك المتخذ، والتي نبغضها نتيجة الميل للسلوك باتجاه الحرية، فمخرج المسرحية يخفي الملقن عن أنظار المشاهدين، كي لا يبدو الممثلين مجرد متلقين سلبيين، وبذلك يهيئ لهم الظرف كي يظهروا بأنهم يلقون كامل الحوار من خلال ذاكرتهم.

إن إيضاح الأسباب الحقيقية وراء سلوكيات البشر أمر غاية في الأهمية لكسر حلقة الكرامة التحصينية، وخطوة لا بأس بها باتجاه الحرية، ولا يتم هذا الأمر إلا من خلال الوعي والحقيقة، الكفيلتان بإزالة الغموض عن الأسباب الكامنة وراء السلوكيات المتبعة، وبالتالي منح التقدير لسلوكيات هذا الفرد أو ذاك دون زيادة أو نقصان.

البشر على ما يبدو يحاولون الاحتفاظ بما لديهم، ويسعون جاهدين باتجاه الحرية، لكن على ما يبدو أن الحرية لا تتوافق مع القيم الجاهزة، لذا فهم يفصِّلون قيماً جديدة تخصهم.

البشر على ما يبدو يحاولون الاحتفاظ بما لديهم، ويسعون جاهدين باتجاه الحرية، لكن على ما يبدو أن الحرية لا تتوافق مع القيم الجاهزة، لذا فهم يفصِّلون قيماً جديدة تخصهم، فالسلوك باتجاه الحرية فيما يبدو يستلزم منهم ألا يحزنوا على أنقاض القيم، لأن قيماً جديدة مصبوغة بدرجة حرية جديدة سوف تطرق بابهم وسوف يدافعون عنها، إلى أن يصعدوا درجة أخرى من درجات الحرية، فالحرية هي الأهم على مدار الزمن، وكل ما دونها إنما يعاد ترتيبه، أو صياغته تحت مظلة أدراج الحرية التي لن تنتهي.

وكما قال برتراند رسل: “من مقتضيات الشجاعة عندما تأتي الكوارث أن نحمل دون تذمر أنقاض أمالنا، وأن نقوم بإبعاد أفكارنا عن الأسف العقيم. هذه الدرجة من الاستسلام للقوة ليست عادلة وصائبة فحسب، وإنما هي بحق بوابة الحكمة”، فإني أقول: “عندما تأتي الحرية يجب أن نحمل دون تذمر أنقاض قيمنا، ونبتعد عن الأسف العقيم عليها، فهذه الدرجة من الاستسلام للحرية ليست عادلة وصائبة فحسب، إنما هي بحق بوابة الحكمة، لأن العالم لا يملك قوة وكارثة أكبر من الحرية.

مصدر د. فرزند عمر صراع القيم صفحات سورية
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.