الشنكليش والجبن.. الهوية السياسية والانتماء الثقافي كمشروع فاشي

المسألة الأكثر خطورة ليست فقط ما تتوقف فيه عند الطعام، بل القياس يقوم على كل ملحقات ذلك الأمر، من صورة الأديان والحضارة والإنسان الأول والحروب والتاريخ والانتماء للألوهة والأخلاق.. الخ.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

كثيراً ما تم طرح أنّ فكرة الوطن والانتماء لجهة ما، والتفاخرات الثقافية، هي عبارة عن تصوّرات فاشية في عمقها، دون توضيح كافي للمسألة.

منذ فترة كنت أجالس شخصاً ونشاهد على التلفاز برنامجاً وثائقياً حول تاريخ صناعة أقراص الجبن الفرنسي الضخمة، والتي يتم تركها وقتاً طويلاً بعد إنشاء ثقوب فيها كي يحتوي على العفن الطبيعي؛ حينها علّق الشخص على الموضوع من أنه كيف يمكن للفرنسيين أن يأكلوا جبناً عفناً ويتم استهلاكه بهذه الضخامة.

كان سؤاله مندهشاً فعلاً، وليس تعليقاً ساخراً، إنه لم يستوعب كيف يمكن للفرنسيين أن يأكلوا هذا الجبن، حينها أجبته دون تفكير: “تماماً مثلما ثلاثة أرباع السوريين يأكلون الشنكليش”.

لا أعرف كيف خرجت العبارة بشكل عفوي مني، لكن بعد أن نطقتها تأملت العبارة وابتسمت لنفسي وأضفت، أنّ السوريين لا يأكلون فقط الشنكليش، بل يتناقشون في فلسفيّة تأثيره كلما ازداد عفنه وتخمّر، ويعتبرون أنّ من يأكل الشنكليش قبل أن يأخذ مداه في التخمّر، لا يمتلك أي حساسيّة في التذوّق.

كل شعب معتاد على عفن أطباقه، وينظر بنظرة التقزز على عفن أطباق الشعوب الأخرى، والأمر هنا ليس لأنّنا جربنا الأشياء ولم تعجبنا، بل لأننا نعتبر وجودنا هو مركز الكون، وأننا التاريخ، والتذوّق، والحقيقة، وأول البشر على الأرض، وما أنتجناه في تطورنا الإنساني.

نفس الأمر يمكن أن نشاهده في أي مكان، كل منطقة في العالم تمتلك نوعاً من الأطعمة التي تحتوي على تخمير النوع، وتُعتبر الشيء الطبيعي والثقافي في كل بلد، فمثلاً في مصر أو لدى الغزاويون في فلسطين يأكلون السمك المجفف والمتعفّن أو ما يُطلق عليه اسم “الفسيخ” والذي تنظر باقي الدول إليه على أنه شيء مقزز، والأمر نفسه في النرويج، يأكلون السمك المُمخّط والمتعفّن، بعد دفنه في الثلج، عن طريق حرقه بواسطة البرودة الشديدة مما يجعله يخلق عفناً مخاطياً، ويأكله النرويجيون بشهيّة بالغة.

لكن في كل هذه الأمثلة، نشاهد امتعاض كل شعب معتاد على عفن أطباقه، بنظرة التقزز على عفن أطباق الشعوب الأخرى، والأمر هنا ليس لأنّنا جربنا الأشياء ولم تعجبنا، بل لأننا نعتبر وجودنا هو مركز الكون، وأننا التاريخ، والتذوّق، والحقيقة، وأول البشر على الأرض، وما أنتجناه في تطورنا الإنساني. إنها بالضبط الهوية السياسية التي يتم ترسيخها بواسطة السلطة في كل بلد فوق ما هي مرسّخة أصلاً، والانتماء الثقافي المدعوم من مجمل قضايا أخلاقية ودينية وتراثية.

قد يبدو الأمر في اندهاش ذلك الشخص من الجبن الفرنسي العفن، شيء طبيعي وموجود في كل العالم، ويمارسه أي شخص غير معتاد على أنماط الطعام سوى التي يعيش في هالتها، وهذا قطعاً صحيح، لكن الخطير في الأمر، ليس أن نعتاد الأشياء التي نعيش ونأكل أو أن نرفض الأشياء التي لا نعرفها، بل أن نتعامل مع ما ليس نعرف على أنه أقل قيمة وحضوراً وبأنّ الشعب الممارس لتلك الاختلافات هو شعب أقل شأناً.

تماماً مثلما يعلو اندهاش شعوب غرب آسيا من شرق آسيا عندما يأكلون الحلزون، لكنهم ينظرون بتقبّل نسبي لفكرة أنّ بعض دول الخليج مثلاً يأكلون الجراد، على الرغم أنّ من يتقبلون فكرة أكل الجراد، لا يأكلونه تماماً مثلما لا يأكلون الحلزون، لكنهم يتقبلونه لأنه نتاج ثقافي مشترك نسبياً.

والمسألة الأكثر خطورة ليست فقط ما تتوقف فيه عند الطعام، بل القياس يقوم على كل ملحقات ذلك الأمر، من صورة الأديان والحضارة والإنسان الأول والحروب والتاريخ والانتماء للألوهة والأخلاق.. الخ.

بالتأكيد فكرة الذات والتركيز دائماً على فردانية الإنسان هي أولوية ثقافية يتم طرحها دائماً، لكن المشكلة أنّ الذات هنا في هذه الأمثلة، هي ذات جمعيّة مضادة لذات جمعيّة أخرى، وليست ذات فردية تتآلف مع ذوات فردية دون انصهار في ثقافة الذات الجمعيّة.

هذا التنوّع واندهاش الناس منه، ليس شيئاً عابراً في الأدمغة البشرية، بل هو هيكلية سياسية راسخة وانتماءات تتقبل الذات على الآخر، بل تعتبر الآخر لا شيء مقارنة بتاريخ الذات المطلق.

بالتأكيد فكرة الذات والتركيز دائماً على فردانية الإنسان هي أولوية ثقافية يتم طرحها دائماً، لكن المشكلة أنّ الذات هنا في هذه الأمثلة، هي ذات جمعيّة مضادة لذات جمعيّة أخرى، وليست ذات فردية تتآلف مع ذوات فردية دون انصهار في ثقافة الذات الجمعيّة.

كما نأكل الشنكليش العفِن، فالفرنسيون يأكلون الجبن العفِن، وشعوب العالم بأسرهم يأكلون أطباقهم العفِنة.. لا شيء غريب، وما اعتباراتك بأنّ ما هو حلال لك في الاعتياد، حرام على غيرك واعتباره أقل شأناً، ليس سوى صورة ثقافية راسخة تنتمي إليها، ويرّسخها الساسة والكهنة، لتضخيم الذات على حساب الآخرين، لكنها في العمق قمّة الفاشية، وعليه أي كلام منك لرفض أو اندهاش، هو خارج كل تبجّحات التفكير الإنساني ويؤدي إلى ما هو أخطر من مسألة تذوق وطعام، إنها تؤدي لكل فئة أن تمتلك رؤية الحقيقة وتعتبر نفسها قوّامة عليها والمختارة لأجلها. وهذا والله لهدف إبقاء البشر في جهلهم الأبدي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.