الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان.. عن ردود فعل السوريين على ذبح أستاذ فرنسي

ثمة تياراً محدّداً في الغرب هو من يحرض على العنصرية والكراهية، فكلما علّق مسؤول غربي عن أنه من الصعب وضع قيود على حرية التعبير، يبدو كأنه يتحدث لغةً أخرى لا نفهمها، وكأن الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان!

الأيام السورية؛ عمار عكاش

في العقدين الأخيرين تكررت أكثر من مرة حادثة تخّص العالم الإسلامي تتشابه في السيناريو، بدأت مع صحيفة يولاندس بوتسن الدانماركية في ٣٠ أيلول/ سبتمبر ٢٠٠٥، التي نشرت رسوم كاريكاتورية أو ساخرة تتناول نبي الإسلام محمد، وأثارت عاصفة حقيقية في العالم الإسلامي على مستوى الحكومات والشعوب، وكان آخر نسخ الحادثة في نشر صحيفة شارل إيبدو لكاريكاتورات ساخرة استثارت ردود فعل ضخمة أيضاً؛ انتهت بالهجوم على مقر الصحيفة، وما يلفت النظر أنّ ردود فعل شريحة غير قليلة من المسلمين هي شتم مجتمعات بأكملها وتكفيرها دولةً ومجتمعاً (كفرنسا وسابقاً الدانمارك).

كان آخر الحوادث هي قطع رأس مدرس فرنسي من قبل طالب بعد أن عرض على طلابه كاريكاتوراً يتناول الرسول محمد. إن الحادثة صادمة فهي ليست تفجيراً أعمى من قبل شخص مُحضَّر لتنفيذ عمل انتحاري، بل ردّة فعل نابعة من معتقد ديني محدّد لطالب اعتبر أنّ أستاذه أهان مقدساً من مقدّساته.

لست هنا بصدد مناقشة مدى صواب فعل المساس برموز دينية، بقدر ما أودّ أن أشير إلى أنه يبدو أننا أمام عالمين مفترقين في قيمهما. يعرف الجميع أن قسماً كبيراً من مجتمعات غرب وشمال أوربا تقوم فيها ديمقراطيات راسخة تتميز بسقف عالٍ من الحريات، وضمن هذا الإطار تظهر كل أنواع التعليقات والآراء التي قد تتجاوز مقدّساتٍ دينيّة مختلفة، ونحن لا نكاد نسمع بتلك الآراء التي تخص أموراً مختلفة من الدين والسياسية والجنس، لأنها لا تثير ضجة كونها لا تتعلق بأمر قدسي يخص المسلمين، كما أنها قد لا تعني الكثيرين مالم تمس مباشرة النبي محمد، ومن الواضح أن رد الفعل يكون أقسى حين يتعلق الأمر برسوم تجسيديّة، بسبب قدسية النبي لدى المسلمين وبسبب حرمانيّة رسمه على ما أعتقد.

مالا يستوعبه الكثيرون في العالم الإسلامي أنّ الديمقراطيات والحريات تبقى أفكار مجردة ولدى تطبيقها على أرض الواقع تحاول التشريعات والقوانين قدر الإمكان وضع محرمات قانونية، دون لجم حرية التعبير، وهذه التشريعات تتطور عبر مخاص اجتماعي وسياسي.

مالا يستوعبه الكثيرون في العالم الإسلامي أنّ الديمقراطيات والحريات تبقى أفكار مجردة ولدى تطبيقها على أرض الواقع تحاول التشريعات والقوانين قدر الإمكان وضع محرمات قانونية (مثل منع ما يحرض على الكراهية والعنصرية) دون لجم حرية التعبير، وهذه التشريعات تتطور عبر مخاص اجتماعي وسياسي.

والطامة الكبرى هنا أنه من الصعب أن نضع خطاً فاصلاً يحدّد أين تنتهي حرية التعبير، فالإجابة البسيطة المقدمة من قبل عدد كبير من المثقفين والمتعلمين في العالم الإسلامي على طريقة قولٍ شعبيٍّ مأثور: “تنتهي حريتي حين تبدأ حرية الآخرين”، هي ليست إجابة بقدر ما هي خطابة وإنشاء وإفحام شعبوي، كأننا أمام شخص يتحدث إلى نفسه، فهذه ليست آلية إقناع وحوار، وهي لغة تحكم القسم الأكبر من خطابنا اليومي وحتى السياسي على الأقل في المنطقة العربية.

لذلك حين يقول رئيس دولة غربية أنه لا يمكن لجم حرية التعبير، فهو لا يعبّر عن رأيه الشخصي بقدر ما يعبر عن دستور بلاده وقوانينها، وفي حالة الرئيس الفرنسي ماكرون أزعم أن قناةً مثل الجزيرة، مارست دورها المعتاد في التحريض الذكي والتحوير بأسلوبٍ حديث، فلو تابعنا الجزيرة وكثيراً من وسائل الإعلام العربية نكاد نحسب ماكرون ممثلاً لليمين المتطرف، وهذا أمر يجانب الصواب.

فرنسا ليست بلداً محكوما بدكتاتورية تتحكم بكل شيء مثل النسبة العظمى من الدول المسلمة التي أقصى ما وصلت إليه بعضها هو عقد انتخابات مع الاستمرار في انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. ولذلك أقول ما لم يعجبنا سلوك مجلة فرنسية فليست تلك مسؤولية ماكرون ولا مسؤولية الشركات الفرنسية، هي مسؤولية تيار محدد تمثله الجريدة، فلا يوجد معلّمِ (أوسطي) يغير كل شيء بقرار من رأسه.

وبتعريجة بسيطة على ردود فعل وتعليقات قسم كبير من الطبقة المتعلمة السورية على موضوع مقتل الأستاذ الجامعي الفرنسي، نجد أنه من النادر أن تتمّ إدانة فعل العنف بالمطلق، بدون مقدمة تبدأ بجملتين أو ثلاثة على الأقل، تضع بشكل مبطّن أو مباشر المسؤولية على المجتمع الغربي الذي يضطهد المسلمين، ثم يُدان الفعل، أو يتم الحديث عن دور الاستعمار والغرب في دعم التطرف، بمعنى أننا ضحايا في نهاية المطاف، وأن الغرب هو من يستدعي ردود الفعل العنيفة هذه،

الحادثة الأخيرة أتت ضمن سلسلة حوادث لم تتوقف منذ الحادي عشر من أيلول وانطلاق النقاش حول ظاهرة التطرف الإسلامي، يبدو أنها تدعم وتثبت كل النظريات العنصريّة والنظريات الثقافيّة الجوهرانيّة مثل نهاية التاريخ لفوكوياما وذلك من خلال ردود الفعل على الحادثة.

وكأننا نقول إن تجاوزت مقدسات فئة بشرية ما فلا تستغرب أن يقطع رأسك!. هذا النمط من التفكير تحديداً هو أكثر ما يسترعي الانتباه، فيتم أولاً نزع المسؤولية عن الذات الجمعية الدينية التي تظهر بوضوح في هذه الحالة، (فلدى المسلمين دون شكّ انتماءات جمعية أخرى أيضاً قومية وثقافية)، ثم نقل المسؤولية إلى الطرف الآخر المفترض وهو الغرب، ونقل المسؤولية هذا بحد ذاته تبرير للعنف.

الحادثة الأخيرة (حادثة ذبح أستاذ جامعي على يد طالب) والتي أتت ضمن سلسلة حوادث لم تتوقف منذ الحادي عشر من أيلول وانطلاق النقاش حول ظاهرة التطرف الإسلامي، يبدو أنها تدعم وتثبت كل النظريات العنصريّة والنظريات الثقافيّة الجوهرانيّة مثل نهاية التاريخ لفوكوياما وذلك من خلال ردود الفعل على الحادثة أكثر من الحادثة ذاتها.

وفي حين أن ثمة تياراً محدّداً في الغرب هو من يحرض على العنصرية والكراهية، فكلما علّق مسؤول غربي عن أنه من الصعب وضع قيود على حرية التعبير، يبدو كأنه يتحدث لغةً أخرى لا نفهمها، وكأن الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان!


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.