الشخصية الروائية العابرة.. نسبيّة الإحساس بالجمال في الأصبع المتحرك

إنها تلك الشخصيات السلبية، التافهة، غير الداعمة، غير الإنسانية، وقد تكون حقيرة، لكنها لا تفعل شيئاً سيئاً، ولا تفعل شيئاً جيداً، لا تتقدم ولا تتراجع.. إنهم بالضبط أوكسجين العمل الروائي. الشخصيات التي تقف في مكان لا يتغير لكن لا يمكن للأبطال أن يستمروا دونها.

الأيام السورية؛ خالد علوش

في رواية الأصبع المتحرك للإنكليزية أجاثا كريستي، وفي بداية الفصل الثالث، تتحدث الكاتبة عن شخصية تدعى السيد “باي”، وهو شخصية لديه رؤية خاصة إزاء مفهوم الجمال، وكيف أنّ الناس في القرية لديهم ذوق رعوي متخلّف، وكيف يجب أن يتم إدخال أثاث من طراز رفيع إلى هذا المجتمع الصغير لتطويره، فيقول في أحد حواراته إلى إحدى شخصيات العمل: “لقد رأيت بأمِّ عيني قطعة أثاث من طراز شيراتون… وإلى جانبها طاولة عادية من الطراز الفيكتوري، أو ربما خزانة كتب دوارة من خشب البلوط المدخّن… نعم، إلى هنا وصلت الأمور… خشب البلوط المدخّن!“.

ويضيف لاحقاً في حديثه: “أنا متأكد أنك توافقيني على أنّ الجمال هو الشيء الوحيد الذي يستحق أن يحيا المرء من أجله“.

طبعاً رؤى السيد “باي” قد تظهر على أنها نوع من الارستقراطية المفهوماتية التي لا تتوافق مع شروط الحياة المعاصرة والقاسية.. فسحقاً للجمال وللباحث عنه أمام الكائن البائس؛ لكن بطريقة أخرى تمثّل رؤى “باي” المعنى الفلسفي لفكرة الوجود الإنساني المتطور وإدراكه بين العوالم الحيّة، والدافع العميق للوعي البشري، فنحن ككائنات بشرية نحدد واحدة من قيم وجودنا فعلياً في تلك اللحظة التي ننبهر فيها بما يُدهِشنا بشكل حقيقي، دهشة إزاء كل آخر يغيّر مفاهيمنا التواصلية للمستقبل.. هذه الدهشة هي بالمعنى العميق فكرة إحساسنا الجمالي.

فمثلاً المعرفة هي نوع من الجمال الذي يُدهشنا كلما تمعنّا به، من الصحيح أنه ليس جمالاً تقليدياً مرتبط بالغرائزية الوجودية للكائن الحي كصفات، مثل المرأة الجميلة، أو الذكر الوسيم، أو الطبيعة أو الأشياء الاستهلاكية، لكنه يبقى دهشة تخلق ذلك الجمال المتفلسف.

ولا نكتفي بالدهشة وما يترتب عنها من أفكار ومشاعر، بل نفرح عميقاً لنعبّر عن تلك الدهشة ونفلسفها اجتماعياً لتصل إلى أكبر قدر من الناس. نحن ننتمي إلى هذا المعنى الفلسفي البسيط والمُدرك، شيئنا أم أبينا.

علاقتنا مع هذه الفكرة، علاقة أزلية لأنها اكتشافية دائماً، لكنها في الوقت نفسه نسبية جداً.

فمثلاً هناك شخص يقول لك بأنّ الصحراء لا تمثّل له حالة جمالية فقط، إنما حالة وجودية، إنه يشعر داخل ذلك الجزء الطبيعي بالحياة.

الروائية الإنكليزية أجاثا كريستي (الجزيرة نت)

الآن، هناك الكثير ممن يرون بتلك النزعة الصحراوية ضرب من علاقة بدائية اجتماعية، على أنها نوع من اعتياد البيئة، وأنّ تلك لا يمكن اعتبارها نظرة جمالية لأنها لا تحقق شرط الدهشة لوضوح الصحراء، بالنسبة للناقد، لأنها لا تخفي شيئاً، كل شيء فيها واضح جلي.

الآن إن عكسنا الصورة وسألنا ذلك الناقد ما الذي يمثّل لك الحالة الجمالية المدهشة؟ فسيقول لك: “الغابة”.

لكن ما هو الإدهاش في الغابة، سيقول: “المجهول”، دون أن يعلم أنّ الصحراء تمتلك أيضاً إدهاشاً للمجهول.

نسبية القبول والرفض في مثالي الصحراء والغابة، هي تماماً رؤيا “باي” ليست لأنها اعتيادية، بل لأنها تمثيل ذاتي على أنّ كل ما لا نعرفه لا يحتوي مجهولاً، وهو نوع من الإسقاط الرافض أنّ الإنسان لا بدّ أن يعلم، وأنّ ما يعلمه هو ناقص ويحتوي المجهول، لكن ما لا يعلمه هو غير ناقص، بل هو واضح جداً.

إنها عملية إسقاط الذات كي لا تظهر بمظهر اللا عارف.

“باي” خبير في أثاث الشيراتون، لكنه يعتبر الأثاث الفيكتوري واضح جداً لأنه حالة عامة، وبالتالي أثاث الشيراتون يحتوي نسبية من المجهول ستدفعه للدهشة لاحقاً، لكن الأثاث الفيكتوري لن يفعل. إنها بالضبط عملية تجريد الآخر من غموضه لإخلال كل إمكانية فلسفية لديه بكل تبعاتها الفكرية والجمالية والإنسانية، لأنّ قيمة الوعي البشري وتطوره، ليست وضوحه بل غموضه. حالة “باي” تقاس على كل نزعة للوجود البشري.

طبعاً أجاثا لم تقصد تشكيل شخصية “باي” بهذا المعنى أو تحديد رؤاه بقدر ما كانت تسرد طبيعة شخصية حياتية موجودة دائماً، ونقلتها على الورق، لكن على المستوى الشخصي، قد استوقفتني جداً شخصية “باي” رغم عدم أهميتها، جعلتني أفهم واحدة من أهم معايير الأدب، وهي أيضاً ما جعلتني استعيد كل ما قرأت من شخوص روائية، هي أنّ جميع الشخوص العابرة في الروايات الخالدة أو المساندة للشخوص الخالدة، لا تكمن مهمتها في تدعيم رؤى الأبطال، ولا أن تكون شخصيات منافسة.. لأنه في كلتا الحالتين يسقط العمل بهزاله وضعفه، فخلود العمل الأدبي، هو هذا الخيط الرفيع لحضور الشخصية العابرة وفلسفتها العقيمة.

هي تلك الشخصيات التي تقف وتخلع أرديتها وتصرخ بكل ثقة: “أنا هنا، أنا شخصية عابرة وقد أكون وضيعة جداً، وقد أكون هامشية إلى حد غير مثير، لكني أريد أن أقول ما جئت لقوله، ولا يهمني أن أترك أثراً خالداً، بل هو أن أبقى على مسافة من عدم السقوط وعدم النجاح، أنا تلك الشخصية التي تقف في مكان لا يتغير لكن لا يمكن للأبطال أن يستمروا دون وقوفي هناك“.

إنها تلك الشخصيات السلبية، التافهة، غير الداعمة، غير الإنسانية، وقد تكون حقيرة، لكنها لا تفعل شيئاً سيئاً، ولا تفعل شيئاً جيداً، لا تتقدم ولا تتراجع.. إنهم بالضبط أوكسجين العمل الروائي.

غلاف رواية الأصبع المتحرك للإنكليزية أجاثا كريستي
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.