الشخصيات الراديكالية في الأدب والطموح المعرفي

الشخوص الراديكالية هي أقرب للقرّاء من حيث عشقها أو خلافاتها وخلق محاور للجدل في طبائعها، إن وافقنا عليها كقرّاء أم لا. إنها شخوص مستفزة لثوابتنا وأيديولوجياتنا وأخلاقياتنا، وهذا ما يجعلها تعيش في ذاكرتنا أبداً، وهو ما يجعلها استثناءً في تاريخ الأدب العالمي.

الأيام السورية؛خالد علوش

عندما نقول أنّ هناك شخصيات راديكالية في الأدب، فلا نقصد بذلك المعنى المتداول لمفهوم راديكالي، بل نقصد بالضبط المعنى الثقافي في نزعة الأفراد لتحقيق أنماط فكرية وحياتية يعيشونها بطريقتهم دون الخضوع للمجمل الاجتماعي.

وكلمة راديكالي هنا لا تعني أبداً كما قد يفهمها البعض من أنّ جميع شخصيات الأدب تعيش كما يحلو لها، قطعاً لا، فمثلاً شخوص دوستويفسكي بالعام هي شخوص حياتية، لكن هناك البطل الذي هو محور الحركة السردية ومحور الحدث القائم يكون نتاج نزعة راديكالية، فإن أخذنا الأخوة كارامازوف كمثال، نرى أنّ جميع الشخوص هم حياتيون طبيعيون بأفكار سلبية أو إيجابية، لكن لا يمكن أن نطلق هذا المعنى الطبيعي على شخص كإيفان أو فلاديمير كارامازوف.. إنهم راديكاليون.

لفهم المعنى للشخصية الراديكالية، يمكن أن نتحدث عن زوربا لدى كازانتزاكي، أو عن بانورج لدى رابليه، أو الكاهن فرولو في أحدب نوتردام لدى هوغو، أو من لا اسم له، لدى كاساريس في اختراع موريل.. وتكثر الأمثلة حول الشخوص الراديكالية في فهمها للعالم وطريقة حياتها ومناهضتها للأشياء القائمة وبحثها عن معاني أخرى لما يعيشونه.

الشخوص الراديكالية هي أقرب للقرّاء من حيث عشقها أو خلافاتها وخلق محاور للجدل في طبائعها، إن وافقنا عليها كقرّاء أم لا. إنها شخوص مستفزة لثوابتنا وأيديولوجياتنا وأخلاقياتنا، وهذا ما يجعلها تعيش في ذاكرتنا أبداً، وهو ما يجعلها استثناءً في تاريخ الأدب العالمي.

هناك سؤال لفهم لماذا الشخوص الراديكالية أكثر حضوراً في وعي القارئ، وهو: هل يستطيع أي قارئ أن يتذكر اسم شخصية واحدة في التسعين كتاباً التي ألفها بلزاك في ملهاته الإنسانية؟.

دون انتظار جواب، ودون بحث آني في الجوجل عن أسماء شخوصه، فقطعاً لا، لا أحد سيتذكّر أي شخصية لدى بلزاك، ليس لأنّ شخوصه ضعيفة بل لأنها حياتية بطريقة تقليدية وواقعية جداً، إنها نقل حرفي للشخصية الحقيقية على الورق دون أي إضافات تخيلية من قِبله، شخوص تعيش وتترك أثراً في تشريح واقع العالم ويمكن أن تتحول إلى محاور لدراسات مطولة وأبديّة، لكنها لن تتركز في ذاكرة القارئ لأنها شخوص تخلق الحدث والفكرة من خلال تفاعلها الواقعي مع بعضها البعض، وليس من خلال فلسفتها الذاتية ومحاولة مجابهة العالم بطريقة فردانية كما نراها في الشخوص الراديكالية.

هذا لا يعني أنّ بلزاك لم يصنع فارقاً في عالمه الأدبي وملهاته الكاملة وتأثيرها على القارئ والمجتمعات الأوروبية، بل يعني أنّ الغجري مليكياديس الذي أتى مرة واحدة في بداية رواية مائة عام من العزلة لماركيز، سيتم الاحتفاء به في ذاكرة القرّاء أكثر من كل شخوص بلزاك، لأنه غامض ومختلف رغم حصوله الواقعي لكنه متخيّل بنفس الدرجة لوجوده في الأرض فعلياً. مليكياديس يعادل كل شخوص بلزاك.

هذا المعنى لوجود الشخوص الراديكالية، وتأثيرها على وعينا وقبولنا أو رفضنا لها، لا تكمن مهمتها فقط في وجودهم أو عبورهم، بل تكمن قوتهم في التحريض على البحث والاختلاف الاجتماعي، وهو ما يجعل القرّاء أكثر تفاعلاً إزاء مفاهيم مجتمعاتهم لاحقاً.

بالتأكيد ليس كل قارئ يمكن أن يعشق زوربا، لكنه لا يستطيع أن يُخرجه من دماغه مهما شعر بالكره اتجاهه، لأننا نعشق الشخوص الراديكالية دون أن نشعر، حتى لو تعارضنا معها أيديولوجياً، لأنها تحقق لنا المعنى في الطموح المعرفي الذي يمارسونه في حيواتهم ويخرجون من عباءة التقليد الاجتماعي والأفكار الروتينية.

هذه الشخوص تمتلك معرفة ثائرة تهدم الأنماط، خارج الوعي الاجتماعي القائم؛ إنها النماذج التي تجعلنا منتمين إليها بشغف، ونجادل في أساليب حياتها ونرفض ونقبل ونختلف ونصرخ فرحاً أو حزناً، ونشمئز أو نكره أو نحب حضورها، إنها تخلق متناقضات ما يمثّل وجودنا على الأرض، وتحقق الطموح المعرفي الذي نحلم به، ونسعى إليه، لكنها أسرع بكثير من حركتنا اتجاه أحلامنا، لأنها تتجاوز مخاوفنا المعرفيّة ورفضها الحياتي، إنها المعبّر عن غدٍ يحلم به الجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.