الشباب… وروتين الفراغ والترفيه

هل باتت ثورة التكنولوجيا تحتل أكثر من نصف تفاصيل حياة الشباب اليومية؟، وهل سلبت هذه التكنولوجيا عقل ووقت أغلب أبناء هذا الجيل؟ وما سبب مساحة الفراغ الكبيرة التي يعاني منها الشباب؟

145
الأيام السورية؛ خالد المحمد

لا زالتْ من أكثر الجمل في منهاجنا الدراسي التي علقتْ في ذاكرتي وذاكرة كثير منا: “الشعب العربي شعب فتي” حيث غالبية سكانه من فئة الشباب، وهي في تزايد، وهذه تعتبر ثروة ومكسب لأي مجتمع.

وإذا ما خرجنا قليلاً من الكتب المدرسية إلى الواقع، وهو واقع لا يشك أحد بأنه واقع متشابك، وخصوصاً مع الأوضاع الحالية لبلادنا.

الشباب أهم المراحل العمرية في حياة الإنسان، حيث أنها مرحلة اكتساب، ومرحلة انجاز بنفس الوقت، وهي مرحلة العزة والاندفاع، وتكون الشخصية، وخصوصاً في وقتنا الحالي، وما حملته السنوات الأخيرة من اختصار المسافات، وسهولة الحياة وسرعة الحصول على المعلومة.

ليسوا حصيلة أيامهم فقط

وشباب اليوم ليسوا حصيلة أيامهم هذه فقط، بل هم نتاج ثقافة مجتمع امتدتْ لأكثر من نصف قرن من الوضع الواحد في مجتمعنا العربي، والتي اتسمت بانعدام الحياة السياسية وضعف الثقافة، والانغلاق الاجتماعي والفكري، وهيمنة الكهولة على المجتمع الشعبي منه والرسمي أيضاً، فنحن مجتمع فتي نظرياً أما على أرض الواقع فشعب عجوز، فيه الشاب يشعر، مع ضيق الأفق وانعدام الحرية وهيمنة المحسوبية، بأنه مكبل بقيود الشيخوخة، فكانت هجرة الأدمغة أحد الفقرات الأساسية في منهاجنا الدراسي أيضاً.

شباب اليوم ليسوا حصيلة أيامهم هذه فقط، بل هم نتاج ثقافة مجتمع امتدتْ لأكثر من نصف قرن من الحكم الشمولي في مجتمعنا العربي، والتي اتسمت بانعدام الحياة السياسية وضعف الثقافة، والانغلاق الاجتماعي والفكري.

أبرز سمات الواقع الحالي

أما أبرز سمات الواقع الحالي التي يعيش الشباب تحت ظله اليوم، فهي ثورة التكنولوجيا التي باتت تحتل أكثر من نصف تفاصيل حياتنا اليومية، والتي سلبت عقل ووقت معظم الجيل، ولاسيما ممن هم في ذروة شبابهم واندفاعهم، والذي كانت مساحة الفراغ الكبيرة في وقت هذا الشباب الناتجة عن الظروف السياسية والانغلاق في مجتمعنا.

كان لهذا الفراغ الدور الأول في تسلط الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على حياتهم، والتي كانت غالب توجههم في استخدامها تتركز حول المحتوى عديم القيمة الفكرية والثقافية، عدا عن الدردشات الطويلة والاستماع للموسيقى أو الألعاب الالكترونية، أو متابعة المواد الترفيهية الأخرى، وهي ما لا تقدم أي فائدة أو تساهم في بناء لشخصية الشاب الواعي المثقف، وخصوصاً ممن هم دون الخامسة والعشرين من عمرهم، وهي المرحلة الأهم لاكتساب المعرفة والثقافة وتكوين الشخصية.

نسخ متكررة

فباتت الضحالة الثقافية سمة تسيطر على غالبية هذه الشريحة، وصار التشابه في الأفكار والعادات والروتين ملمحاً أولاً في حياتهم، نتيجة تطبعهم بنفس العادات وابتعادهم عن النشاطات العملية وقراءة الكتب، حتى أن كثيراً منهم يقرأ نادراً وعلى عجالة كتبه المدرسية والجامعية المطالب فيها للامتحان، وأما من لازالتْ تستهويه قراءة الكتب فجلهم إنما يحصر قراءته في الروايات التي لا تتعدى ما تقدمه جانب الترفيه أيضاً.

شبابنا اليوم بغالبيتهم منعزلون عن قضايا مجتمعهم السياسية والفكرية والدينية والتاريخية، مع انتشار ثقافة القشور والقص واللصق، وعدم وجود أولويات مهمة في حياتهم وتحديد أهداف لما يقومون به.

جانب الترفيه الذي تغول كثيراً في حياة الشباب، وبات صدره ضيقاً من متابعة أو قراءة أي مادة فكرية أو علمية، مستسهلاً الحصول على أي معلومة وقت الحاجة لها عبر محركات البحث على الانترنت، فلا داعي لاكتسابها الآن طالما يمكن الحصول عليها لحظة احتياجها (مع الإشارة إلى أنه بهذه الحالة لا يملك الأدوات والثقافة والخبرة التي تمكنه من تمييز الصحيح من المفبرك أو الخاطئ على مواقع الانترنت، فبات من وجهة نظر الغالبية أن كل ما ينشر على الانترنت هو معلومة صحيحة)

منعزلون عن قضايا مجتمعهم

شبابنا اليوم بغالبيتهم منعزلون عن قضايا مجتمعهم السياسية والفكرية والدينية والتاريخية، مع انتشار ثقافة القشور والقص واللصق، وعدم وجود أولويات مهمة في حياتهم وتحديد أهداف لما يقومون به غير الترفيه والمتعة، مع اتساع مساحة الفراغ في وقتهم فبات معظمهم يجهل أبسط المعلومات العامة التي تخص بلده وتاريخيه وثقافته الحياتية، وعزلته أمام شاشة جهازه في ظاهرة اغتراب ثقافي واجتماعي، تنهي أي ابداع وتنمية لشخصية الشاب في أهم مرحلة من مراحل عمره.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.