الشاعر الحر (عمر أبو ريشة)

تلميذ عرف بالخطيب والشاعر والمؤلف المسرحي قبل أن يبلغ الثامنة عشرة من عمره، الدبلوماسي الذي جاب أكثر الدول، والشاعر الحر الذي ندد بالانتداب الفرنسي، وساند القضية الفلسطينية، ووبخ من تلطخت يداه بمجزرة حماة.

الأيام السورية؛ أمل المصطفى

نبذة عن حياته:

أسرته: ولد الشاعر الكبير عمر أبو ريشة في مدينة منبج بتاريخ 10أبريل/نيسان سنة 1910م، لأسرة جلّهم يقول الشعر، والده شافع بن الشيخ مصطفى أبو ريشة الذي شغل منصب قائم مقام في منبج، والدته السيدة خيرة الله بنت إبراهيم علي نور الدين اليشرطي من مدينة عكا الفلسطينيّة، أخوته وأخواته: ظافر له ديوان شعر بعنوان ” من نافذة الحبّ” وديوان آخر ” لحن المساء” وله أخت اسمها زينب التي تجيد الشعر، تهافتت كبريات الصحف على نشر قصائدها.

حياته الشخصية: تزوج من منيرة مراد، ابنة أحد رجال الأعمال المقيمين في الأرجنتين، وقد رافقته في جميع رحلاته إلى البلدان التي شغل منصب السفير فيها، وأنجبت له ثلاثة أولاد هم: رفيف، شافع، وريف.

وتزوّج سرّاً من السيدة سعاد مكربل عام 1980م، والتي كانت مثال السيدة النابهة والجميلة الملهمة حسب رواية أحد أصدقائه.

تعليمه: درس الابتدائية في مدرسة النموذج الابتدائية في حلب، التحق بالجامعة الأمريكيّة في بيروت سنة 1924م؛  ليتمّ دراسته الثانويّة، وتلقّى تعليمه الجامعي في جامعة مانشستر الأمريكيّة لدراسة الكيمياء، حيث تعرّف على فتاة اسمها نورما، أحبها كثيراً، فهي التي رعته ليشفى من مرض النكاف، وعندما أراد الزواج منها ماتت بسبب هذا المرض، حزن على مرضها وخلّد قصة حبهما في قصيدة اسمها “خاتمة الحب” .

يقول في حبه نورما:

شمس حزني قد استوت وعجيبٌ      أن أراني أعيش في غير ظلّ

أبصر الدهر ناشراً سفر عمري        ولسان الآلام يقرا ويملي

طعنةٌ إثر طعنة إثر أخرى              نثرت هذه الحُشاشة حولي

فتأملت في الحياة وفيما               كنت أبني على الخيال وأعلي

فإذا مورد النعيم سرابٌ               وإذا حائط المنى فوق رمل

لم يصدق عمر هول الصدمة، فوقف يتغزل بجمالها:

طوقيني بساعديك فلا خو         ف علينا من أعين العذّال

ما أرى الموت مطفئاً شعلة الحس    ن ولا بالمزيل سحر الجمال

جفنك اليوم مثل جفنك بالأم          س كساه الفتور تيم المثال

فكأنّ الإغماض فيه نعاسٌ           أو حياءٌ أو نشوة من دلال.

توجه شاعرنا من الكيمياء إلى الأدب الإنكليزي، لكنه لم يتم الدراسة الجامعيّة وعاد إلى مدينة حلب.

منابع ثقافته:

  • البيئة الصوفيّة التي ترعرع فيها، ونهل منها عيون الشعر، وفي ذلك يقول عن نفسه: ” في البيئة الصوفيّة التي نشأت، أتيح لي الإصغاء، وأنا بعد طفل إلى أناشيد لم أكن أسمع مثلها في غير تلك البيئة، فأرددها برفقة أهلي، وأصدقاء أهلي دون أن أدرك أبعاد معانيها”.
  • الدراسة في إنكلترا التي أتاحت له الاطلاع على الأدب الإنكليزي وشعرائه.
  • العمل الدبلوماسي في عدة بلدان؛ مما مكّنه التعرّف على ثقافات البلدان الأخرى.

العمل الدبلوماسي: عمل بدايةً بعد عودته من إنكلترا مديراً لدار الكتب الوطنية في حلب، ثم التحق بالسلك الدبلوماسي،

جرى تعيينه ممثلاً للحكومة السورية في البرازيل سنة 1949م، بعدها بعام عُيّن سفيراً ومفوّضاً هناك.

توالت المناصب السياسية التي شغلها عمر أبو ريشة، فعُيّن سفيراً لسوريا في الأرجنتين عام 1952م، وفي عام 1959م شغل منصب سفير سوريا في النمسا، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليصبح سفيراً في الهند عام 1964م، ثم أُحيل إلى التقاعد عام 1971م.

أعماله الأدبيّة:

في مجال الشعر ألّف عدة دواوين، نذكر منها: “مختارات”، “من عمر أبو ريشة”، “غنيت في مأتمي”، ومجموعة شعرية ” أمرك يارب”، ومجموعة شعرية أخرى بعنوان: “من وحي المرأة” وديوان بالإنكليزية “التطوافRoving along  ”

مسرحياته الشعرية: مسرحية “ذي قار”، مسرحيات ” محكمة الشعراء”،” الطوفان”،” أوبريت عذاب”.

أما أعماله في الترجمة: “إيدي يوريدس” مسرحية للمؤلف البرازيلي ” بدور بلوك” عرّبها أبو ريشة وإلياس خليل زخريا.

أهم ميزات شعره:

الرومانسية: تميّز شعره بالنزعة الرومنسية من خلال النغم الكئيب الذي يسري بين سطور القصيدة، وفي ثنايا الكلمات وتحت أجنحة الصور، وخلف رنات القوافي فالشاعر يتألّم متلحّفاً بغلالة سوداء من الأسى، وأنّه يأنّ تحت وطأة المشاعر الكئيبة والجراح الموجعة. يعزى ذلك إلى الأوضاع التي عاناها الشاعر، ورحلته إلى أوروبا، وإخفاقه في دراسته، وعودته إلى الوطن، وقلقه وخوفه من المستقبل المجهول، إضافة إلى تجاربه العاطفية المخفقة. يتمثل ذلك بقصيدته “خاتمة الحب” التي جاء في نهايتها هذا النحيب الجنائزي يقول:

الوداع الوداع يا زهرة العمر…ونبع الآمال والأحلام

الوداع الوداع يا شعرة اللطف   ونور الإيحاء والإلهام

حكمة الله أن تزولي وأبقى     هائماً في الشقاء أيّ هيام

حكمة الله أن أظلّ حزيناً        أتلاشى على ضريح غرامي

الرومانسيون يدعون إلى الخلوة والتوحّد مع الطبيعة، والبعد عن المجتمع وضوضائه وشروره وآثامه، والحنين إلى الموت.

إن تكن نلت راحةً بعد بؤسي         فأنا لم أنل سوى البأساء

منتهى العقل أن يعيش أخو العقل      بعيداً عن عالم الضوضاء

تأثّر الشاعر أبو ريشة بالشاعر الإنكليزي “شكسبير” من خلال صورة الحبّ والتمازج والتآلف بين المحبوبين.

يقول عمر أبو ريشة في محاكاة شعر شكسبير:

مساء الخير كاد اللي     ل يسحب ستره عنّا

وما زلنا نهز الشو      ق إن أغفى أو استأنّ

مساء الخير خلّ الجف   ن يلقى إلفه الجفنا

ولُفّ بيض أطيافي     على أهدابك الوسنى

الشاعر عمر بعد انغماسه بالعمل السياسي والوطني؛ كان لا بدّ من البحث عن اتجاهٍ يصوّر الواقع والاتصال بالحياة، فظهر المذهب الواقعي من جهة، والمذهب الرمزي من جهة أخرى، عند ذلك بدأت قصائد الرومانسية تنحسر من شعر أبو ريشة. أما تأثّره بالمذهب الرمزي فقد كان نابعاً من حبّه الشديد لشاعرين هما” إدغار ألان بو” و” بودلير”، فهما من المبشرين بالرمزيّة، ونظريته في الرمزية نظرية جزئية خلاصتها: اعتبار الربط بين المجردات والمحسوسات والمزج بين معطيات الحواس لتكون وسيلة تعبيرية جديدة، وطريقةً لخلق أجواء مبهمة، ومن شعره الرمزي قوله:

أفاعي الحياة، ألا مزّقي         صدور الحنان، ولا تندمي

وصبّي لعابك في طعنةٍ         تئنّ اشتياقاً إلى بلسم

فعن كل نابٍ تفيض الرقى      وتذهب بالألم المفعم

ومن الملامح التي نادى بها الرمزيون الإيحاء؛ الذي يعتمد على وسيلتين رئيسيتين هما: الموسيقا أولاً والصورة المبهمة ثانياً. وقد جمع الشاعر عمر بين هاتين الوسيلتين للإيحاء في الكثير من إحساساته وأفكاره؛ لتخرج صوراً مبتكرة. كما تعدّ قصيدة “النسر” لشاعرنا من أبرز الظواهر الرمزيّة في أعماله الأدبيّة، وقد تعددت التفسيرات لصورة النسر في القصيدة من النقاد والدارسين، فمنهم من جعلها تصويراً لحالة الشاعر، ومنهم من قال: إنّها حال الأمة، وأضاف آخرون أنّها صورةٌ للعلاقات الجنسية المبتذلة.

ولكن على اختلاف هذه التفسيرات كلّها فإننا نجد أنّ صورة الرمز مستوحاة من الشاعر “بو” في قصيدته “الغراب”  ومن الشاعر “بودلير” في قصيدته “البطريق” ومن  “موسيه” في قصيدته “البجعة”.

يقول فيها:

أصبح السفح ملعباً للنسور         فاغضبي يا ذرا الجبال وثوري

إنّ للجرح صيحة فابعثيها          في سماع الدنى فحيح سعير

واطرحي الكبرياء شلوا دمي       تحت أقدام دهرك السكير

إنّ الشاعر يجمع في أعماله الأدبية ملامح الكلاسيكية إضافة إلى الرومنسية وبعض ملامح المدرسة الرمزية

يقول في ذلك:

وثبت تستقرب النجم مجالا      وتهادت تسحب الذيل اغتيالا

وحيالي غادة تلعب في           شعرها المائج غنجا ودلالا

كل حرف زل عن مرشفها       نثر الطيب يمينا وشمالا

قلت يا حسناء من أنت          ومن أين دوح أفرع الغصن وطالا

فرنت شامخة أحسبها            فوق أنساب المرايا تتعالى

وأجابت أنا من أندلس           جنة الدنيا سهولا وجبالا

يبقى شاعرنا من الشعراء الكبار الذين يشار إليهم بالبنان، فهو موضع إجماع مختلف التيارات الادبيّة والمذاهب الشعرية؛ إذ يعتبره الجميع شاعراً متميزاً لا يضاهيه شاعر عربي آخر، فهو يحقق الكثير من مطالب المجددين ودعاة الحداثة في الشعر.

https://www.youtube.com/watch?v=PG0AlryEmek

الشاعر والسياسة: تمّ اعتقاله أكثر من مرة من قبل السلطات الفرنسية؛ لمواقفه الصارمة ضد الاحتلال، ولم يهدأ نشاطه فقد ثار بشعره ضد الأوضاع المترديّة التي سادت البلاد بعد الاحتلال، وأسقط بكلماته حكومة رئيس مجلس الوزراء “خليل مردم بيك” التي اشتهرت بضعفها وعدم مقدرتها على إدارة البلاد، وفي عام 1948 فجّر معجزة أدبية وثوريّة عقب نكبة فلسطين بعد نشره لقصيدته “أمتي” التي شكّلت نقطة علام في تاريخ الأدب والثورة العربية، ورسمت صورة جميلة للروح الثائرة محركةً ضمائر الكثيرين من أبناء العروبة، يقول:

أمتي هل لك بين الأمم     منبر للسيف أو للقلم

ألإسرائيل تعلو راية    في حمى المهد وظل الحرم

رب وامعتصماه انطلقت    ملء أفواه البنات اليتم

لامست أسماعهم لكنّها      لم تلامس نخوة المعتصم

فقد تنوعت دواوينه ما بين عشق الوطن وما بين الهجاء والذم؛ ليعبّر عن كافة العواطف البشرية في قصائده، فهو من حُكم أيام الاستعمار الفرنسي بالإعدام بسبب قصيدة ألّفها ندد من خلالها بتصرفات القوات الفرنسية، لكنّه توارى عن الأنظار إلى أن زال الحكم عنه بزوال الاحتلال.

إنّ الشاعر المرهف الإحساس لم يقف صامتاً أمام مجزرة حماة الشهيرة بل وصف حافظ الأسد بجرأة وقوة، هذه القصيدة تنطبق على النظام بأكمله اليوم أكثر من أيّ وقت آخر:

العاجز المقهور أقتل حيلة     وأذل منطلقا وأنذل مقصدا

نشر الخسيس من السلاح أمامه   واختار منه أخسّه وتقلدا

وحبا إلى حرم الرجال ولم يذق     من قدس خمرتهم ولكن عربدا

وافتنّ في تزييف ما هتفوا به      وارتد بالقيم الغوالي منشدا

البغي أروع ما يكون مظفرا        إن سُلّ باسم المكرمات مهندا

لا يخدعنّك دمعه وانظر إلى         ما سال فوق أكفّه وتجمدا

لم تشرب الحمى دماء صريعها      إلا وتكسو وجنتيه توردا

وأزاحت الأيام عنه نقابه             فأطلّ مسخاً بالضلالة مزودا

ترك الحصون إلى العدى متعثرا      بفراره، وأتى الحمى مستأسدا

ما كان هولاكو ولا أشباهه            بأضلّ أفئدة وأقسى أكبدا

هذي حماة عروسة الوادي على       كبر الحداد تجيل طرفا أرمدا

هذا صلاح الدين يخفي جرحه     عنها ويسأل: كيف جرح أبي الفدا

ما عفّ عن قذف المعابد باللظى    فتناثرت رمماً وأجّت موقدا

المناصب والأوسمة:

1-عُيّن  عضواً مراسلاً لمجمع اللغة العربية في دمشق سنة 1948م

2-عين عضوا في الأكاديمية البرازيلية للآداب

3-منحته الأرجنتين الوشاح الأكبر.

4-عين عضواً للمجمع الهندي للثقافة العالمية، شغل فيه كرسي الأدب.

5-أعطته النمسا وشاح الثقافة.

6-منحته الجامعة العالمية بالتعاون مع الطاولة المستديرة لجامعة الآداب في العالم في توكسون أريزونا دكتوراه الثقافة العالمية في الآداب.

٧-وسام الاستحقاق اللبناني من الدرجة الأولى من الرئيس اللبناني إلياس الهراوي.

وفاته:

في يوم السبت 14 تموز 1990م رحل الشاعر الكبير عمر أبو ريشة إلى الدار الأبديّة، وكان قد أصيب بجلطة دماغية لزم الفراش على أثرها لمدة سبعة أشهر في مستشفى الملك فيصل في الرياض.

بعد الوفاة نقل جثمانه بطائرة خاصة من الرياض إلى حلب؛ حيث تمّ دفنه، وأقيمت له مآتم التأبين في حلب ودمشق ولبنان.

من خلال ما تقدم نجد أنّ الشاعر أحبّ في بداياته الأولى شعر الأقدمين، فاكتسب اللغة والمفردات والتراكيب باّنه كان يحاول محاكاتهم والنظم على منوالهم، بعد ذلك اطلع على الأدب الغربي والعالمي متأثرا بالشاعرين “ألان بو” و “موليير” ليكون من أكثر المبدعين والمؤثرين في حداثة الشعر العربي المعاصر.

مصدر موقع أراجيك موقع اكتشف سورية tripod
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.