الشاعر التركي ناظم حكمت حفيد الباشا الذي انحاز للمظلومين

في عام 1928، نشر كتابه الأول “الأغنية الشعبية لعاشقي الشمس” في باكو، ثم عاد في العام ذاته إلى تركيا، لكن هذه المرة تم القبض عليه ونفيه إلى أنقرة، ثم أُطلق سراحه بعد فترة قصيرة، فانضم إلى كتاب مجلة “القمر المصور” التي كانت تصدر في إسطنبول.

الأيام السورية؛ محمد محسن

ولد ناظم حكمت في سلانيك (الواقعة شرق اليونان حاليا) يوم 15 يناير/كانون الثاني 1902، أبوه حكمت بك خريج ثانوية غلطة سراي وعضو ديوان القلم الأجنبي وضابط في الخارجية العثمانية، والدته جليلة هانم ابنة المعلم أنور باشا، أما جده فهو نظيم باشا المولوي الذي كان صديقا مقربًا من السياسي العثماني المعروف مدحت باشا.

التحصيل الدراسي

دخل المدرسة البحرية في جزيرة هيبلي ادا عام 1917 وتخرج منها عام 1919، ثم عين ضابطا بحريا على سفينة الحميدية، وفي العام نفسه أصيب بالتهاب رئوي فاضطر لترك الجيش عام 1920.

وسافر ناظم حكمت مع صديقه “أحمد فالا نور الدين” إلى الأناضول بدون إخبار عائلته ومن أجل المشاركة في النضال الوطني بعام 1920، وعمل مدرسًا في مدينة بولو القريبة من إسطنبول.

وفي عام 1921 ذهب ناظم حكمت إلى العاصمة الروسية موسكو، ودرس هناك علم الاقتصاد والعلوم السياسية في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق.

ناظم حكمت السياسي

كان ناظم حكمت مؤيدا لحركة مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك في بدايتها، لكنه عارض النظام السياسي الذي بُني بعد ذلك، وقضى سنوات في السجن والمنفى.

حُكم عليه غيابيًا بالسجن 15 عامًا خلال التحقيقات التي بدأت عام 1925 أثناء ثورة الشيخ سعيد الكردية في جنوبي شرقي تركيا، فهرب إلى خارج البلاد مرة أخرى، ثم حُكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر أخرى بتهمة الانتماء إلى منظمة سرية.

في عام 1933 حُكم عليه بالسجن 5 سنوات، ثم أُفرج عنه فتزوج من بيرايا ألتين أوغلو. في عام 1935، ومن بعدها بدأ بالكتابة الهزلية في صحيفة أكشام مستخدما اسما مستعارا.

في عام 1936، أُلقي القبض عليه مرة أخرى بتهمة تحريض الطلاب على معارضة السلطات، ووُضع في سجن أنقرة وحُكم عليه بالسجن 15 سنة، ثم أحضر إلى سجن إسطنبول وحكم عليه بالسجن 20 عاما أخرى في المحكمة العسكرية، وفي عام 1940 نُقل إلى سجن تشانكيري ثم إلى بورصة.

ناظم حكمت الشاب(الاتحاد)

وفي عام 1950 أضرب عن الطعام فنُقل إلى مستشفى جراح باشا في إسطنبول بسبب تدهور وضعه الصحي.

غادر ناظم حكمت السجن مستفيدا من قانون العفو الذي دخل حيز التنفيذ في عام 1950، وانفصل عن زوجته برايا هانم، وتزوج من ابنة عمه مُنفر أنداتش التي كانت تزوره في السجن باستمرار، وعندما أدرك أنه تحت المراقبة قرر السفر إلى خارج البلاد، فوصل إلى موسكو عام 1951 عبر بلغاريا ورومانيا عن طريق البحر الأسود.

سُحبت الجنسية التركية من ناظم حكمت بقرار وزاري في مطلع خمسينيات القرن الماضي، لكنه حظي بتقدير كبير خارج تركيا بوصفه شاعرا وأديبا تركيا، إذ حضر العديد من المؤتمرات الدولية وتُرجمت كتبه إلى العديد من اللغات. وأعيدت له الجنسية عام 2009 بقرار رسمي من حكومة حزب العدالة والتنمية.

ناظم حكمت (ترك بيديا)

شعره

رغم تنوع أشكاله الشعرية التقليدية والحديثة، اشتهر حكمت بعنايته بالشعر الحر القريب من العامية، وتميز شعره بالبساطة والوضوح والمباشرة، وبسبب تنقلاته وصداقاته العديدة مع أدباء أتراك وروس وعرب وأوربيين، فقد تغذت كلماته على خلفيات ثقافية متنوعة تأثر بها، مما أهله ليكون شاعرا تركيا ذا شهرة عالمية.

كتب ناظم حكمت أول قصائده الحرة في عام 1923، ونُشر بعض منها في عدة مجلات مثل يني حياة وأيدنلك.

كتب قصائد تحث على المقاومة خلال الأيام التي احتلت فيها إسطنبول، وانتقل هو وصديقه فالا نور الدين إلى أنقرة عام 1921، وكتبا قصيدة دعت شباب إسطنبول إلى النضال، وقد لاقت القصيدة صيتا كبيرا، وتم تعيينهما معلمين في مدينة بولو التركية الواقعة بين إسطنبول وأنقرة.

وفي عام 1928، نشر كتابه الأول “الأغنية الشعبية لعاشقي الشمس” في باكو، ثم عاد في العام ذاته إلى تركيا، لكن هذه المرة تم القبض عليه ونفيه إلى أنقرة، ثم أُطلق سراحه بعد فترة قصيرة، فانضم إلى كتاب مجلة “القمر المصور” التي كانت تصدر في إسطنبول.

الشاعر ناظم حكمت (ترك بيديا)

في عام 1929 كتب مقالًا بعنوان “نحن ندمر الأوثان” دافع فيه عن شعراء أتراك مؤثرين في تلك الفترة مثل عبد الحق حامد طرهان ومحمد أمين يورداكول، ونال المقال صدى كبيرا.

عندما تم نشر كتابه الشعري “835 سطرًا”، حظي بإعجاب العديد من الشعراء الأتراك الكبار في تلك الفترة مثل أحمد هاشم ويعقوب قادري (قره عثمان أوغلو)، كما أثّر على عدد من الشعراء الشباب الذين تحولوا إلى كتابة الشعر الحر اقتداء به.

لا يخلو شعر ناظم حكمت في معظم مراحله من مبدأ الصنعة. حتى قصائده المباشرة والتعليمية التي كتبها في أوج نضاله لم تخل من الصنعة أو المتانة. لكن الصنعة هنا يجب ألا تكون بمثابة المأخذ علي الشعر بل هي التي تتيح للشاعر ان يحقق ما يسمّيه ولعاً بجعل الشكل متطابقاً مع المضمون. فالشكل في نظره ينبغي له أن يمنح المضمون مزيداً من الوضوح شرط ألا يطفو هو على السطح كما يقول. وليس من المستهجن ان ينأى ناظم حكمت عن إغراءات الزخرف (أو الباروك) والحذلقة والافتعال وأن يمعن في الإيجاز والاختصار حتى وإن كتب الكثير من الشعر الدرامي والملحمي.

الشاعر ناظم حكمت (موقع أدويت)

أعماله

كتب ناظم حكمت في أكثر من مجال أدبي، وصدر له من المسرحيات، (الجمجمة 1932/ الرجل المنسي 1935/ فرهاد وشيرين حب 1965)، ومن الروايات، (العيش شيء رائع يا عزيزي 1967)، ومن أهم المجموعات الشعرية التي أصدرها، (رسائل إلى ترانتا – بابو 1935/ ملحمة الشيخ بدر الدين 1935/ مناظر طبيعية وإنسانية من بلدي 1966-1967/ ملحمة حرب الاستقلال 1965).

غلاف كتاب مترجم للشاعر(ترك بيديا)

الوفاة

وافته المنية يوم 3 يونيو/حزيران 1963 في موسكو التي دفن فيها بعيدا عن بلده الذي نُفي منه. وأمضى حياته في السجون والمنافي، وتوفي في منفاه الأخير بموسكو عن عمر يناهز 61 عاما يوم 3 يونيو/حزيران 1963.

الشاعر التركي ناظم حكمت(gazeteistanbu)

ملامح من حياته في قصائده

كان الشاعر والأديب التركي الشهير قد سجل ملامح عديدة من سيرته الذاتية في قصائد منظومة باللغة التركية، وسجل فيها مراحل من حياته بدءا بالطفولة وحتى الكهولة بما في ذلك تجربة سجنه وتنقله بين البلدان، ومن أهمها قصيدة “سيرة ذاتية”.

وُلدتُ في 1902
لم أعد أبدا إلى مسقط رأسي
أنا لا أحب العودة إلى الوراء
في الثالثة كنت حفيدا لأحد الباشاوات في حلب
في التاسعة عشرة طالبا في الجامعة الشيوعية في موسكو
في التاسعة والأربعين عدت إلى موسكو كضيف لحزب التشيكا
وكنت شاعرا منذ أن كنت في الرابعة عشرة
في الثلاثين أرادوا أن يشنقوني
في الثامنة والأربعين أن يمنحوني جائزة السلام
وهذا ما فعلوه
في السادسة والثلاثين افترشت أربعة أمتار مربعة من الإسمنت المسلح طوال نصف عام
في التاسعة والخمسين طرت من براغ إلى هاڤانا في ثماني عشرة ساعة
لم أر أبدا لينين ووقفت أراقب تابوته في الرابعة والعشرين
في الحادية والستين القبر الذي أزوره هو كُتـُبُهُ
حاولوا أن يزيحوني بعيدا عن حزبي
ولم ينجحوا
ولا انسحقت أنا تحت الأصنام المتهاوية
في الحادية والخمسين أبحرت مع صديق شاب عبر أسنان الموت
في الثانية والخمسين قضيت أربعة أشهر راقدا على ظهري بقلب مكسور
منتظرا الموت
كنت غيورا على النساء اللاتي أحببتهن
لم أحسد تشارلي تشاپلن أبدا
خدعت نسائي
لم أغتب أصدقائي مطلقا
شربت ولكن ليس كل يوم
كسبت مال خبزي بأمانة ويا للسعادة
حياة حافلة.

مصدر (حنّا مينة، ناظم حكمت: السّجن، المرأة، الحياة) جهة الشعر، نون بوست الجزيرة نت
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.