الشارع ٢٤ شمالا.. توثيق لحياة يجب أن تُعرف، وواقع يجب ألّا يطمس

189

الكاتبة: ابتسام تريسي.

قراءة:أحمد العربي

الناشر: منشورات ضفاف ومكتبة المنصور/ ط١، ورقية، ٢٠١٧م.

الشارع ٢٤ شمالا، أحدث ما كتبت ابتسام تريسي، رواية متعددة الأبعاد، تغطي أحداثها من بداية القرن الماضي إلى الآن، والمكان هو مدينة اللاذقية، والموضوع يختصر بكلمة واحدة: المرأة، ولأن المرأة تعني الحياة الاجتماعية كلها، لذلك كانت رواية شاملة للحياة في اللاذقية عبر قرن، مع التركيز على الجانب النسوي.

تبدأ الرواية من الحفيدة “وداد” التي تعيش مع جدتها أيضا “وداد” التي تجاوزت السبعين عاما من العمر، وداد الصبية تعيش مع جدتها في اللاذقية في أواسط عام ٢٠١٥م، الثورة السورية كانت قد حصلت قبل أعوام، والنظام المستبد كان قد قرر أن ينهي الثورة ولو قتل الناس ودمر البلد، اللاذقية مقسمة ومحاصرة من النظام، بعض أحيائها يتعرض لقصف قوات النظام من البحر والبر، مخيم الرمل الفلسطيني ضحية قصف وحشي، والناس تهرب منه إلى مكان آمن، وداد تنتقل مع جدتها إلى مدينة سلمى في ريف اللاذقية إلى أن تهدأ الأحوال.

وداد الجدة على موعد مع حبها الذي تحتفظ به في نفسها منذ ما يزيد عن خمسين عاما، أنه رشدي ابن حيّها الذي أحبها وأحبته منذ صغرهم، ولم يستطيعا أن يتجاوزا عتبة المشاعر إلى اللقاء فالزواج، لقد هاجر بعيدا في بلاد الغربة لم يستطع نسيان حبيبته وداد، وداد أيضا لم تتجاوز حبه، تزوجت من غيره وأنجبت، ابنتها تزوجت أيضا وأنجبت حفيدتها، مات الزوج والابنة وبقيت الحفيدة، والحب ما زال يسكن قلبها، عاد رشدي لعله يحقق حلم حياته بالزواج من وداد ولو وهما في سن الشيخوخة.

وداد الجدة ما زالت تعيش حياتها وكأنها ما زالت تلك الطفلة التي كانت في اللاذقية قبل أكثر من خمسين عاما، وفي ذاكرتها حكايات أمها وجدتها عن حياتهما السابقة في بداية القرن الماضي، كانت قد كتبت وداد الجدة في دفترٍ حكاية أهلها والحي الذي تسكن فيه، مختصرة تاريخ اللاذقية في أول القرن الماضي وما تلاه من سنين، خاصة من جانبه النسوي.

الرواية؛ تنتصر لإنسانية الإنسان من حيث انتصارها لحق الحب والخيارات الحرة والعيش الكريم، لحق الإنسان بالحرية والحياة الأفضل، وذلك عندما تفضح الاستبداد والظلم.

وداد الحفيدة تسرد الحكاية من دفتر جدتها، ومن أحاديثها معها ومع أقرانها، ومن تغير الزمان عليهم على مدى قرن تقريبا. وداد ستلتقي بأخت جدتها “صباح” التي عاشت حبا لسنين طويلة، حبا أخفته في نفسها، حبها لطارق الشاب الذي التقت به في الجامعة، والذي شاءت الأقدار أنهما لم يستطيعا اللقاء والزواج، واستمرا بالتواصل عن طريق الرسائل، وبقيت وفيّة لحبّه ولم تتزوج، أما هو فذهب بعيدا إلى أمريكا حيث درس وأصبح طبيبا، وتزوّج هناك وأنجب، لكنه بقي على حبه الأول لصباح، تواصلا عبر الإنترنت، وعادت جذوة الحب إلى نفسه، قرر أن يترك كل شيء وراءه ليعود ويعيش حبّه مع صباح، هو طبيب وكان له دور في مساعدة الثوار السوريين، خاصة في المجال الطبي، صباح جهزت نفسها وحياتها كعروس تأخر زواجها عشرات السنين، انتظرت حبيبها أن يأتي، وجاء فعلا لكن النظام الاستبدادي المجرم كان ينتظره، اعتقله ومن ثم قتله، وأعلن ذلك عبر وسائل إعلامه افتخارا أنه قتل إرهابيا. وصل الخبر لصباح فكانت النتيجة وفاتها قهرا وحزنا.

تستمر وداد الحفيدة بسرد حكاية وداد الجدة التي تعود إلى أصل أسرتها، والدها عاصم آغا صاحب الأراضي والضيع، أمها سعدى، ابنة أحد الفلاحين الذين يعملون عند والدها، والفلاحون هناك أبناء الريف، وكانوا من الطائفة العلوية، وعندما ازدادت ديونه على عاصم آغا أعطاه ابنته بدل دينه، وتزوج عاصم آغا من سعدى، سعدى لم تستطع أن تتجاوز إحساسها بأنها ابنة الفلاح، وأنها علوية ومنبوذة، وأنها أقرب لأن تكون خادمة من أن تكون زوجة، وتصرفت على هذا الأساس كل عمرها.

كان عاصم آغا قد تزوج قبل سعدى من سكينة خانم ابنة عمه، هي السيدة الحقيقية في بيت الآغا، سعدى أنجبت وداد الفتاة التي أحست بفارق التعامل بين أمها وزوجة أبيها سيدة القصر.

سرعان ما يتزوج الآغا من نسرين ابنة أحد الأثرياء في اللاذقية، فتسيطر على الآغا وعلى القصر، وتعزل نساءه الأخريات وتعاملهنّ بمهانة، وداد ستكبر في الحي ويكون رشدي ابن حيّها ومنذ طفولتهما مشدودين لبعضهما عاطفيا، لم يستطع هذا الحب أن يتحول إلى علاقة فزواج، سيمر عليه عمر، الحب يكبر. تزوّج وداد من شقيق نسرين سيدة القصر، وتنجب صبية ستكبر وتتزوج وتنجب وداد الحفيدة التي تعيش مع جدتها الآن، الجدة التي تنتظر حبيبها أن يعود ولو كان عجوزا، ليكمل حبهما بالزواج، يعود وتلتقي به وترفض الزواج، لأنها تخاف أن يتشوّه هذا الحب الذي استمر عشرات السنين.

في دفتر وداد الجدة تأريخ للحب الذي عاشت به في اللاذقية، قصة كل بيت وكل امرأة في حياة تكرر ذاتها، نساء معلقات على أمل حب حقيقي يعشنه، وواقع حياة مغلقة على البيت ومشاغله والمنافسة على الرجال، وعالم المكائد العدائية؛ المرأة للمرأة، والرجال الذين يمتصون رحيق النساء ويظلمنهنّ، النساء اللواتي يعشن حبا حقيقيا لا يتحقق، وواقع ظلم، وصراعات صغيرة بينهنّ لكنها تملأ حياتهنّ، ومع ذلك يتكيفنّ.

عشرات النساء يجلسن على منصة البوح في الرواية في دفتر وداد الجدة، كل ما يعشنّه حقيقي ومؤثر قليله مفرح أغلبه مؤلم، لكنه كله ينساب في نهر الحياة العادية اليومية، لم تخبرنا وداد الجدة في دفترها عن الفرنسيين أيام الاحتلال في اللاذقية، وكأنهم غير موجودين في البلاد، سنعلم المتغيرات في البلاد بعد الاستقلال، نساء الرواية يحببن شكري القوتلي أول رئيس للجمهورية، وكذلك سيداعب خيالهن عبد الناصر بصفته بطلا ورئيسا لدولة وحدة لم تعمّر كثيرا.

والرواية تتعاطى مع ما حصل في سوريا عبر عقود وفي ظل الاستبداد، دون حشر وتصنع وضمن سياق الحياة، وعلى مبدأ؛ أن اللبيب من الإشارة يفهم، ووقائع الحياة أكبر دليل.

سيبدأ اهتمام النساء بالسياسة عندما تبدأ منذ سبعينات القرن الماضي موجة الهجرة من الريف -الجبال- إلى المدينة، تمتلئ اللاذقية بأبناء الحكم الجديد. لقد انتقل العلويون من أن يكونوا فلاحين مستخدمين عند أهل المدينة ليصبحوا هم السادة أول بأول في اللاذقية، وفي سوريا كلها بعد حين. حضروا إلى المدينة ومعهم معاول التخريب على شكل مخططات ليس أولها تبليط شاطئ البحر ولا إزالة الحدائق، ولا تغيير نمط العمران، لقد قتلوا المدينة التي كانت، وبنوا لهم مدينة على هواهم ولتحقيق مصالحهم. نساء الرواية لم تنته مشاكلهن مع المتغيرات التي جاءت بالعلويين إلى المدينة فقط، بل بخسارتهنّ أولادهنّ عبر الاعتقال أو القتل، وذلك في أحداث ثمانينات القرن الماضي حيث الصراع بين الإخوان المسلمين والنظام، والحراك الوطني الديمقراطي أيضا، كان الأثر كبيرا على نساء المدينة. وسرعان ما تتكرر مأساة المدينة مع أحداث الثورة السورية التي قامت في أوائل ٢٠١١م، لم يتغير حال النظام، بل ازداد وحشيّة وعنفا بحق الشعب والناشطين، والناس بدأوا يرحلون من مدن إلى أخرى بحثا عن الأمان، والبعض الآخر رحل خارج سوريا للحفاظ على الحياة، وداد الجدة والحفيدة، ينتقلنّ من اللاذقية إلى مدينة سلمى في ريف اللاذقية، ويصل القصف إلى سلمى، تحاول وداد الحفيدة أن تهرب بجدتها إلى تركيا، تستطيعان العبور إلى تركيا بعد محاولات عدة، لكن بعد أن شلّت الجدة، واحتاجت إلى كرسي متحرك تنقلها من خلاله.

ستكون تركيا نهاية مقصدهنّ. تلتقي وداد الجدة هناك ببعض صديقات الماضي الممتلئ بالذكريات، وتموت بعد سنة تاركة وطنها وذكرياتها هناك في شارع ٢٤ شمالا في اللاذقية.

هنا تنتهي الرواية، وفي تحليلها نقول: إننا أمام رواية نسوية بامتياز، تكاد تكون سجلا موثقا عن حياة المرأة في عشرات السنين، في حيز اجتماعي وتاريخي معين، بكل تفاصيله وحميميته المتشابهة والمختلفة، أنه توثيق لحياة يجب أن تُعرف، وواقع يجب ألّا يطمس، وتأريخ اجتماعي لواقع المرأة، حيث كانت المرأة كل الوقت تسكن في ظلمة وظلام الجهل والتجهيل.

والرواية تتعاطى مع ما حصل في سوريا عبر عقود وفي ظل الاستبداد، دون حشر وتصنع وضمن سياق الحياة، وعلى مبدأ؛ أن اللبيب من الإشارة يفهم، ووقائع الحياة أكبر دليل، لقد هرب أهل البلاد السوريون وتركوا وراءهم كل شيء للحفاظ على الحياة، هل هناك أشد ألما وقسوة وظلما من ذلك؟.

في الرواية؛ انتصار للحب بصفته أسمى ما يعيشه الإنسان تجاه الإنسان، والمرأة تجاه الرجل وكذلك العكس، لكنه كان حبا مستحيلا دوما، الحب المستمر هو الحب الذي لم يكتمل، بينما واقع الحياة عنى الغيرة والحسد والظلم والإساءة، بين النساء والرجال، وبينهم كل فئة على حدة، لقد انتصر الجانب الوحشي ابن الغابة على الجانب الإنساني في مجتمعاتنا، على الأقل إلى الآن، بالطبع إلّا ما ندر.

الرواية؛ تنتصر لإنسانية الإنسان من حيث انتصارها لحق الحب والخيارات الحرة والعيش الكريم، لحق الإنسان بالحرية والحياة الأفضل، وذلك عندما تفضح الاستبداد والظلم والنظام الطائفي.


ابتسام تريسي؛ روائية سورية متميزة، مواظبة على الإنتاج، تنتمي إلى الثورة السورية، ما زالت تتناول الواقع السوري، بصدق وشفافية وشغف، وذلك من جوانبه المختلفة، مغطية قرن من الزمان، تمثل مع غيرها من المبدعين السوريين، ضمير الشعب السوري.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
تعليق 1
  1. ناصر الحريري يقول

    الكاتبة المبدعة ابتسام تريسي ابنة مدينة حلب، تكتب روايتها عن حقبة سوداء في تاريخ سوريا، و تختار مدينة اللاذقية مسرحا لأحداث روايتها، ربما يكون سبب هذا الاختيار هو كون اللاذقية المدينة الساحلية الجميلة، من جبالها هبت الرياح الكريهة لتفسد كل أجواء سوريا و تحيل حياة السوريين إلى جحيم لا يطاق، و مع ذلك فأهل سوريا رجال و نساء و أطفال قادرون على تطهير سوريا من الأدران و إعادة الجمال و الحياة إلى مدنها و شوارعها و عبق الياسمين إلى أجوائها.
    شكرا أستاذ أحمد على اختيارك الموفق و قرائتك الجميلة لأحداث الرواية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.